عن إدارة التحكيم والتدريب
بسم الله الرحمن الرحيم
إن العدل هو الغاية التي تتوخاها الشرائع، والميزان الذي تستقيم به الحقوق وتطمئن إليه المعاملات، ومنارةٌ لا يهتدي إليها المجتمع إلا ببصيرةٍ قانونيةٍ راسخةٍ وفهمٍ صحيحٍ لأحكام القانون. وقد درجت الأمم الراقية — منذ فجر الحضارة القانونية — على أن تُقيم إلى جانب منظومتها القضائية وسائل بديلة لتسوية المنازعات، يتصدرها التحكيم؛ ذلك الساعد الأمين الذي يُعين العدالة على إنجاز مهمتها في أسرع وقتٍ وأمتن الأطر الإجرائية. وقد أمسى التحكيم في عصرنا هذا ركيزةً لا غنى عنها في صرح المعاملات التجارية والاستثمارية، ومُقوِّمًا جوهريًا لاستقرار بيئة الأعمال على الصعيدين الوطني والدولي.
غير أن التحكيم — على ما فيه من مزايا — لا يستقيم بنيانُه، ولا تؤتي ثماره المرجوة، إلا بمحكِّمٍ وافر الحظ من العلم، راسخ القدم في الخبرة، مشهودٍ له بالأمانة؛ أحاط بمبادئ القانون واستوعب مآلاتها، ودرَّب ملكته على استجلاء الوقائع والموازنة بين الحقوق، واستضاء بالاتجاهات القضائية، وأرسى عليها حجج استدلاله. ومن هذا المنطلق الرفيع، آثرت محكمة النقض — وقد جرى في عروقها ما يناهز قرنًا من التأصيل القانوني وإرساء المبادئ وتوحيد التفسير — أن تفتح بابًا جديدًا من أبواب العطاء، فكان إنشاء إدارة التحكيم والتدريب؛ منبرًا علميًا نوعيًا يستلهم من تراث هذه المحكمة العريق معينًا لا ينضب من الأحكام والمبادئ التي تتعلق بالتحكيم ليكون ذخيرةٌ قانونية لا تُقدَّر لكل من يروم الاضطلاع بمهام التحكيم على وجهٍ سديد.
وتسعى هذه الإدارة — بما تُقيمه من برامج تدريبية متخصصة، وورش عمل مكثفة، ودراسات علمية معمقة — إلى إعداد أجيال من المحكِّمين الجامعين بين رسوخ التأصيل ودقة التطبيق، ليصدروا أحكامًا تحكيمية تنهض على أسسٍ قانونية متينة، وتصدر عن بصيرةٍ واعية وضميرٍ مهني مستنير، وتُراعى فيها الضمانات والإجراءات التي أقرتها أحكام القانون واستقرت عليها مبادئ محكمة النقض، بما يقطع بسلامتها القانونية ويُنأى بها عن أسباب البطلان. وإذ نُدشِّن هذا الصرح العلمي، فإننا نأمل أن يكون إضافةً نوعية إلى مسيرة العدالة، ورافدًا للارتقاء بثقافة التحكيم، وعونًا للمشتغلين بالقانون في استهداء صحيح المبادئ وحسن التطبيق، بما يكفل صون الحقوق وترسيخ سيادة القانون.
والله ولي التوفيق،،،

معالي القاضي الجليل / عاصم عبد اللطيف الغايش
رئيس محكمة النقض
رئيس مجلس القضاء الأعلى

