محكمة النقض المصرية

حكم المحكمة الادارية العليا – الدائرة الرابعة – ديسمبر ٢٠١٩ بشأن ضوابط استخدام الموظف العام للفيس بوك

استعمال الموظف العام للفيس بوك من الحقوق المباحة للجميع كنافذة لحرية التعبير بما لا يمس الأمن القومي أو النظام العام أو الآداب العامة أو الحياة الخاصة للمواطنين.

المحكمة تفصل محاميا بالبنك المركزي المصرى استخدم الفيس بوك فى التشهير بزملائه بأفعال فاحشة وألفاظ نابية ماسة بالعرض والشرف والسمعة وتضع ضوابط استخدام الموظف العام للفيس بوك.

١.استعمال الموظف العام للفيس بوك من الحقوق المباحة للجميع كنافذة لحرية التعبير بما لا يمس الأمن القومي أو النظام العام أو الآداب العامة أو الحياة الخاصة للمواطنين.

٢.بعض مواقع التواصل الاجتماعي تحولت من فضاءات للتعارف وتبادل المعارف إلى منابر للدعوة لأفعال تمس الأمن القومي واستقرار الدول وبالحريات الشخصية وبشرف الأشخاص.

٣.شبكة الإنترنت جزء من الحياة اليومية فى العالم وهو ما جعل الناس يعتقدون أنها فضاءً مباحا ومنطقة فوق القانون.

٤.الطاعن أساء لسمعة زملائه واشرأبت نفسه سوءًا وحدقت بأبصارها نحو الرذيلة لتتبع عورات الآخرين على مواقع التواصل الاجتماعي.

٥.فلسفة القانون المصرى بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات تقوم على عقاب المجرم المعلوماتي وليس رقابيا على رقاب الناس.

٦.أول تطبيق لقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات لحماية حرمة الحياة الخاصة للمواطنين وكل اعتداء على المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري.

وقضت المحكمة برئاسة المستشار عادل بريك، نائب رئيس مجلس الدولة، وعضوية المستشارين سيد سلطان، والدكتور محمد عبد الوهاب خفاجى وأسامة حسنين وأحمد ماهر، نواب رئيس مجلس الدولة، بفصل محام بالبنك المركزي المصرى قام بنشر ادعاءات كاذبة عن العاملين بالإدارة القانونية بالبنك المركزي المصري على صفحته بموقع “فيس بوك” مشهرا بهم، وضمن ذلك ألفاظا خارجة وأفعالا فاحشة وعبارات نابية ماسة بالعرض والشرف والسمعة.

وقالت المحكمة إن شبكة الإنترنت وتنوعات مجالاتها أصبحت جزءًا من الحياة اليومية فى العالم لاعتبارها من أكثر الوسائل المستعملة للتعارف بين الناس، وهو ما جعل الناس يعتقدون أنها فضاءً مباحا ومنطقة فوق القانون، خاصة مع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي التي فتحت أبواب الحوار على مصراعيها بين مختلف الشعوب، وحيث وجدت الحرية وجد التعدي على الحرية، فالواقع الإلكتروني والعالم الافتراضي أفرز العديد من التجاوزات عن طريق الاستخدام غير المشروع لمواقع التواصل الاجتماعي، فتحول بعضها من فضاءات للتعارف والتقارب وتبادل المعارف والأفكار والرأي، إلى منابر للدعوة لبعض الأفعال الماسة بالأمن القومي واستقرار الدول أو بالحريات الشخصية وبشرف الأشخاص واعتبارهم أو بالنظام العام أو الآداب العامة.

وأضافت المحكمة أن استعمال الموظف العام لمواقع التواصل الاجتماعي فى العالم الافتراضي أيا كانت (فيسبوك وتوتير وإنستجرام وغيرها) هو من الحقوق المباحة للجميع لما لها من سهولة التواصل بين الناس، ومساعدتهم علي تبادل المعارف والأفكار والآراء، والتعليم والتثقيف وربط العلاقات، وفتح نافذة لحرية التعبير، إلا أنه يتعين أن يكون استعمالها مشروعًا بأن يقف عند حدود الحفاظ على الأمن القومى والنظام العام والآداب العامة وعدم المساس بسمعة المواطنين أو خرق خصوصيتهم بما يسيء إليهم فى ارتكاب أفعال السب والقذف والتشهير والابتزاز والإساءة، وإذا كان ذلك الأمر واجبا على المواطنين كافة فإنه أوجب على الموظف العام، خاصة عن أعمال وظيفته والمعلومات التى تتعلق بما هو سرى بطبيعتها، فإذا ما تجازوها يستحق أشد العقاب مغلظًا.

وذكرت المحكمة أن المشرع المصرى – بالقانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات – وضع مصر على خريطة العالم الرقمي وجاءت نصوصه كاشفة عن أنه قانون عقابي للمجرم المعلوماتي وليس رقابيا فهو احترازي لا اختراقي، يمنح المواطنين الحرية في الفضاء الإلكتروني أيا كانت وسائله سواء (فيسبوك أو تويتر أو انستجرام أو غيرها) طالما كانت تلك الحرية تمارس في إطار القانون دون المساس بالأمن القومي للبلاد أو بسمعة المواطنين أو خرق حياتهم الخاصة بما يسيء إليهم، وحفاظا على سمعة المواطنين، فإن المشرع انتهج في هذا القانون تجريم هذه الأفعال التى تقع بهذه الوسائل وقرر لها عقابا صارما لآثارها المدمرة على الوطن في مساسها بالأمن القومى له والنظام العام والآداب به، وعلى المواطن بمساسها بشرفه وعرضه واعتباره بين أهله وذويه، فنص في المادة 25 من القانون على تحديد الجرائم المتعلقة بالاعتداء على حرمة الحياة الخاصة والمحتوى المعلوماتي غير المشروع وأبان عن أنها كل اعتداء على أي من المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري أو انتهك حرمة الحياة الخاصة، أو أرسل بكثافة العديد من الرسائل الإلكترونية لشخص معين دون موافقته، أو منح بيانات شخصية إلى نظام أو موقع إلكتروني لترويج السلع أو الخدمات دون موافقته، أو نشر عن طريق الشبكة المعلوماتية أو بإحدى وسائل تقنية المعلومات معلومات أو أخبارا أو صورا وما في حكمها، تنتهك خصوصية أي شخص دون رضاه، سواء كانت المعلومات المنشورة صحيحة أو غير صحيحة.

وأوضحت المحكمة أن الثابت من الأوراق والتحقيقات أن الطاعن قام بنشر ادعاءات كاذبة عن زملائه في العمل وباقي العاملين بالإدارة القانونية بالبنك المركزي المصري على صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي فيس بوك والتشهير بهم وتضمينها أفعالا فاحشة وألفاظا خارجة وعبارات نابية ماسة بالعرض والشرف والسمعة بغير دليل من شأنها لو صحت لأوجبت احتقارهم ومساءلتهم، وبمواجهته بما هو منسوب إليه اعتراف صراحة بأنه قام بتوجيه إنذار إلى محافظ البنك المركزي بحجة الوقوف على صحة الواقعة من عدمها، وأنه بالفعل قام بنشر الموضوع محل التحقيق على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك” في محاولة منه للتحقيق في الواقعة، وقد تضمن هذا الإنذار عبارات سب وقذف وإهانة موظف عام في حقه بطريق الكتابة والعلانية حال كونه موظفا عاما بالبنك المركزي، حيث تضمن الإنذار عبارات تنطوي على المساس بالشرف والاعتبار فى حق العاملين بالإدارة القانونية.

وأشارت المحكمة إلى أن المخالفة المنسوبة إلى الطاعن تغدو ثابتة في حقه ثبوتًا يقينيًا أخذًا بما سطرته التحقيقات وما حوته الدعوى من أوراق ومستندات طالعتها المحكمة، واعتراف الطاعن الصريح بنشر البلاغ المذكور على صفحته على فيس بوك، وهو الأمر الذي يعد خروجًا واضحًا على مقتضيات الواجب الوظيفي والإخلال بكرامة الوظيفة، فضلًا عن سلوكه مسلكًا معيبًا ولا يتفق والاحترام الواجب للوظيفة العامة، وما تفرضه على الموظف العام من التحلي بطيب الخصال لا بسوء الطباع، وهو الأمر الذي يشكل في حقه ذنبًا مؤثماً يستوجب مجازاته عنه تأديبيًا بحسبان أن جسامة الذنب المؤثم الذي تردي فيه الطاعن وخطورة آثاره المترتبة على المساس بسمعة زملائه وسمعة البنك المركزي المصرى ذاته الذى يرسم السياسة النقدية وقياس متانتها ويحدد موقع مصر فى ساحة المال على الاقتصاد العالمي ويطل عليه ويتفاعل معه، ولا يصح أن يبقى به نفس اشرأبت سوءًا وحدقت بأبصارها نحو الرذيلة لتتبع عورات الآخرين وأخبارهم ونشر ادعاءات كاذبة عنهم على مواقع التواصل الاجتماعي غير مكترث بأثر هذا النشر عليهم وعلى أسرهم وذويهم.

وانتهت المحكمة إلى أن ما ارتكبه الطاعن من التشهير بزملائه بأفعال فاحشة وعبارات نابية على وسائل التواصل الاجتماعى “فيس بوك”، فضلًا عن عدم احترامه لتعاليم الدين الإسلامي الحنيف وما تفرضه من التخلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل التي هى من قبيح الصفات باعتبار أن التحلي بالأخلاق الكريمة والقيم النبيلة مطلب إنساني وأساسي أصيل لصون كرامة النفس الإنسانية، وعدم اكتراثه بالوظيفة العامة وما تفرضه عليه من واجبات ضل مسعاه أن يعيها، وانشغل بالتقصي والتحري عن عورات الناس ونصب نفسه للتحقيق مع العباد والحكم على تصرفاتهم وأفعالهم على صحفته بالفضاء الافتراضي على “فيس بوك”، غير عابئ بمدى حساسية المرفق الذي ينتمي إليه وهو العليم بحكم عمله القانوني بوجود جهات ناط بها القانون التحقيق فى الجرائم والمخالفات والتحري عنها، وكان يتعين عليه أن يلجأ إليها في حالة إذا ما تكشف له الحال عن وجود تجاوزات وجرائم ترتكب دون التشهير بسمعة زملائه وسمعة البنك المركزي المصرى على غير سند، وهو ما يستحق معه الشدة فى توقيع العقاب على نحو ما سلف بفصم عرى الوظيفة بإحالته إلى المعاش على نحو ما انتهى إليه الحكم المطعون فيه، وقد عززته هذه المحكمة فاستوى على سوقه عدلا وقسطاطا، مما لا مطعن عليه.