دفاع "الإخلال بحق الدفاع. ما لا يوفره".
الموجز
نص الحكم
باسم الشعب
محكمــة النقــض
الدائـرة الجنائيــة
دائرة الأربعاء ( د )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المؤلفة برئاسة السيـد القاضــي / خـلف عـبــد الحـافــظ نـائب رئيـس المحكمـة
وعضويـة السادة القضاة / نـــادر جـويـلـي محمـد كمــال قنــديــل
حـازم رشيـد كيـلانـي جاسـر محمد إسماعيـل
نـواب رئيــس المحكمـة
وحضور رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض السيد/ هيثم سعيد.
وأمين السر السيد/ وائل أحمد.
في الجلسة العلنية المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة.
في يوم الأربعاء 15 من ذو الحجة سنة 1446هـ الموافق 11 من يونية سنة 2025م.
أصدرت الحكم الآتي
في الطعن المقيد بجدول المحكمة برقم 6550 لسنة 93 القضائية
المرفوع مــن
1ــــ .................
2ــــ .................
3ــــ ................. " محكوم عليهم ــــ طاعنين "
ضــــــــد
النيابة العامة " مطعون ضدها "
وفــي عـــرض النيـابــة العـامــة للقضيــة علــى محكمـة النقـض
" الوقائـــع "
اتهمت النيابة العامة الطاعنين في قضية الجناية رقم ....... لسنة ...... قسم ........ (المقيدة بالجدول الكلي برقم ....... لسنة ...... جنوب ......).
بأنهم في يوم 2 من يوليو سنة 2022 بدائرة قسم .......... ــــ محافظة ........
ــ قتلوا المجني عليه ........... عمداً بغير سبق إصرار أو ترصد، بأنهما وعلى إثر تتبع المجني عليه للمتهمين الأول والثاني عقب ارتكابهما جريمتهما محل الوصف التالي قام سالفي الذكر بدفعه صوب إحدى قطارات السكة الحديدية المار بمحل الواقعة قاصدين قتله فأحدثا إصاباته الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية التي أودت بحياته.
وقد تقدمت تلك الجناية أخرى اقترنت بها، أنهما في ذات الزمان والمكان:
ــ شرعوا في سرقه الدراجة النارية "توك توك" المملوكة للمجني عليه (الطفل) ........... بطريق الإكراه الواقع عليه، بأن استوقفوه بالطريق العام طالبين منه توصيلهم لمكان ناء، وما أن ظفروا به حتى تعدوا عليه بالضرب قاصدين بث الرعب في نفسه وشل مقاومته للاستيلاء على الدراجة النارية، إلا أنه خاب أثر جريمتهم لسبب لا دخل لإرادتهم فيه وهو ضبطهم بمعرفه الأهالي على النحو المبين بالتحقيقات.
وأحالتهم إلى محكمة جنايات ....... لمعاقبتهم طبقاً للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة.
والمحكمة المذكورة قررت بجلسة 3 من يناير سنة 2023 بإجماع الآراء إرسال أوراق القضية إلى فضيلة مفتي الديار المصرية لاستطلاع الرأي الشرعي بشأن ما نسب للمتهمين، وحددت جلسة 5 من فبراير سنة 2023 للنطق بالحكم.
وبالجلسة المقررة قضت المحكمة حضورياً بإجماع الآراء عملاً بالمواد ٤٥/1، ٤٦/3،2، 234/2،1، ٣١٤، ٣١٥/ ثانياً من قانون العقوبات والمادتين 2، ١١٦ مكرراً من القانون ١٢ لسنة ١٩٩٦ المعدل مع إعمال المادة ٣٢ من قانون العقوبات ــــ بمعاقبة الطاعنين الأول والثاني بالإعدام شنقاً ومعاقبه الثالث بالسجن المؤبد وألزمتهم المصروفات الجنائية، وذلك بعد أن انتهت إلى أن الواقعة تشكل في حقهم:
ــ قتلوا المجني عليه/ .......... عمداً بغير سبق إصرار أو ترصد، بأن قام المتهمين الأول والثاني بدفع المجني عليه أمام القطار القادم في مواجهتهما من خلف المجني عليه قاصدين من ذلك إزهاق روحه للتخلص من مطاردته لهما، فسقط على قضبان السكة الحديد حال مرور القطار، فاصطدم به ودهسه، فأحدث به الإصابات ــــ الرضية الاحتكاكية بما أدت إليه من كسور بالعظام وتهتكات بالرئتين والأوعية الدموية الرئيسية ونزيف دموي غزير وصدمة ــــ الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية، وكانت جناية القتل نتيجة محتملة لجناية السرقة بإكراه الذي ترك بالمجني عليه أثر جروح حال كونهم ثلاثة أشخاص.
وقد اقترنت تلك الجناية بجناية أخرى، هي أنه في ذات الزمان والمكان سالفي الذكر:
ــ شرعوا في سرقة الدراجة البخارية "توك توك" والمملوكة للمجني عليه الطفل/ .......... بطريق الإكراه الواقع عليه، بأن استقلوها معه بزعم توصيلهم، وما أن ظفروا به فور وصولهم لمكان ناء حتى تعدوا عليه بالضرب محدثين إصابته بسحجة بالرقبة وسحجات متفرقة بالظهر والموصوفة بالتقرير الطبي لبث الرعب في نفسه وشل مقاومته للاستيلاء على الدراجة البخارية وألقوه خارجها محاولين الفرار، إلا أنه قد أوقف أثر جريمتهم لسبب لا دخل لإرادتهم فيه، وهو ضبطهم بمعرفة الأهالي والجريمة متلبساً بها.
فقرر المحكوم عليهم بالطعن في هذا الحكم بطريق النقض بتاريخي 5، 30 من مارس سنة 2023.
وأودعت أسباب طعن المحكوم عليه ......... بتاريخ 28 من مارس سنة 2023 موقعاً عليها من المحامي/ .......... المقبول للمرافعة أمام محكمة النقض.
وبتاريخ 30 من مارس سنة 2023 أودعت أسباب طعن عن المحكوم عليه ......... موقعاً عليها من المحامي/ ........المقبول للمرافعة أمام محكمة النقض.
وأودعت أسباب طعن المحكوم عليه ........... بتاريخ الأول من إبريل سنة 2023 موقعاً عليها من المحامي/ .......... المقبول للمرافعة أمام محكمة النقض.
كما عرضت النيابة العامة القضية على محكمة النقض مشفوعة بمذكرة برأيها طلبت فيها إقرار الحكم الصادر بإعدام المحكوم عليهما ........... و............
وبجلسة اليوم سمعت المحكمة المرافعة على ما هو مبين بمحضر الجلسة.
المحكمــة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر والمرافعة وبعد المداولة قانوناً.
أولاً: بالنسبة لطعن المحكوم عليهما الأول/ .......... والثاني/ .............:
حيث إن الطعن قد استوفى الشكل المقرر القانون.
حيث ينعى الطاعنان ــــ كل بمذكرة أسبابه ــــ على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانهما بجريمتي القتل العمد المقترن بجناية الشروع في السرقة بالإكراه بالطريق العام مع التعدد الذي ترك أثر جروح حال كون المجنى عليه فيها طفل ــــ وقضى بإعدامهما ــــ قد شابه القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال والخطأ في الإسناد ومخالفة الثابت بالأوراق والإخلال بحق الدفاع، ذلك بأن خلا من بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة بياناً تتحقق به أركان الجريمتين اللتين دانهما بها، ولم يورد مودى الأدلة التي عول عليها في الإدانة سيما أقوال شاهدي الإثبات الثاني والثالث في بيان جلي مفصل مكتفياً بالإشارة إليهما، ولم يبين مضمون اعترافهما الذي استند إليه في الإدانة في بيان كاف، ملتفتاً عن دفوع الطاعن الأول ببطلان اعترافه لكونه وليد إكراه مادي ومعنوي، وبطلان إقراره بمحضر الضبط، وانتفاء أركان جريمة القتل في حقه، ولم يدلل على توافر نية القتل في حقهما تدليلاً سائغاً، إذ أن ما أورده لا يعدو أن يكون ترديداً للأفعال المادية التي قام بها كل منهما متخذاً من التقارير الطبية الخاصة بالمجني عليه المتوفى دليلاً على توافرها رغم أنها لا تصلح لذلك، كما اتخذ أيضاً من القصد الاحتمالي دليلاً على توافرها دون أن يفطن إلى أن اعترافهما بتحقيقات النيابة العامة انصب على واقعة السرقة فقط، ملتفتاً عن دفعهما بانتفائها في حقهما، ولم يستظهر ظرف الاقتران في حقهما بما ينتجه ملتفتاً عن دفعهما بعدم توافره لعدة شواهد أورداها بأسبابهما، ولم يفطن إلى كون الواقعة مجرد قتل خطأ بسبب المشاجرة فيما بينهما وبين المجني عليه المتوفي للفرار بنفسهما بعد ارتكابهما واقعة السرقة، ملتفتاً عن طلب الطاعن الأول بتعديل الوصف إلى جناية ضرب أفضى إلى الموت، ودانهما رغم انقطاع علاقة السببية بين فعلهما والنتيجة المتمثلة في موت المجني عليه، ورغم انتفاء الباعث لديهما بدلالة عدم إحرازهما أو حيازتهما لأي أسلحة أو أدوات، فضلاً عن تناقض الدليلين القولي والفني بشأن إصابات المجني عليه في واقعة الشروع في السرقة، وعول على أقوال شهود الإثبات رغم تناقضها فيما بينها، فضلاً عن تناقضها مع أقوال مجري التحريات وعدم معقولية تصويرهم للواقعة وبأن لها صورة أخرى مغايرة وأنها لا تجدي في إثبات ارتكابهما للجريمة، وعلى التحريات رغم عدم جديتها لعدة شواهد واطرح دفع الطاعن الأول بشأنها برد قاصر، فجاء قضاء الحكم مؤسساً على مجرد استدلالات لا ترقى إلى مرتبة الدليل، وأورد أقوال شاهدي الإثبات الثاني والرابع بما يخالف الثابت منها بالأوراق ــــ على نحو ما أشار الطاعن الثاني بمذكرة أسبابه، فضلاً عن أن شهادة الشاهد الرابع كانت سماعية وفقاً لأقواله بالتحقيقات وليس باعتباره شاهد رؤية حسبما يستفاد من تحصيل الحكم لها، بما ينبئ عن عدم إلمام المحكمة بواقعة الدعوى وأدلتها واضطراب صورتها وعدم استقرارها في وجدانها، والتفت عن أوجه الدفاع القائمة على انتفاء صلة الطاعن الأول بجريمة القتل وعدم تواجده على مسرحها لتمكنه من الفرار من مطاردة المجني عليه الأول له وقصور تحقيقات النيابة العامة لعدم بيان كيفية دفع المجني عليه المتوفي وسقوطه أمام القطار وعدم إجراء معاينة تصويرية لمسرح الجريمة، ولم تجبهما المحكمة إلى طلبهما مناقشة شهود الإثبات بسبب تنافض أقوالهم ومناقشة الطبيب الشرعي لاستجلاء التناقض بين تقريره والتقرير الطبي المبدئي وتقرير مفتش الصحة واطرحتهما بما لا يسوغ إطراحهما به، وأخيراً، فقد أجبرت دفاع الطاعن الأول على المرافعة، كل ذلك مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.
وحيث إنه يبين مما سطره الحكم أنه بيَّن واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجريمتين اللتين دان الطاعنين بهما وأورد على ثبوتهما في حقهما أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها، وجاء استعراض المحكمة لأدلة الدعوى على نحو يدل على أنها محصتها التمحيص الكافي وألمت بها إلماماً شاملاً يفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة، وكان القانون لم يرسم شكلاً خاصاً يصوغ فيه الحكم بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها، فمتى كان مجموع ما أورده الحكم ــــ كما هو الحال في الدعوى المطروحة ــــ كافياً في تفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة، كان هذا محققاً لحكم القانون، ومن ثم يضحى منعى الطاعنين في هذا الخصوص غير سديد. لما كان ذلك، وكان البين من مطالعة الحكم المطعون فيه أنه بعد أن بيَّن واقعة الدعوى أتبع ذلك ببيان مفصل للأدلة ومن بينها أقوال شاهدي الإثبات الثاني والثالث، وكان ما أورده الحكم من أقوال سالفي الذكر يحقق مراد الشارع الذي استوجبه في المادة 310 من قانون الإجراءات الجنائية من دعوى بيان مؤدى الأدلة التي يستند إليها الحكم الصادر بالإدانة، فإنه ينحسر عن الحكم دعوى القصور في هذا الخصوص. لما كان ذلك، وكان يبين من مدونات الحكم المطعون فيه أن المحكمة لم تبن قضاءها بصفة أصلية على إقرار الطاعنين بتحقيقات النيابة العامة ــــ بارتكابهما جريمة الشروع في السرقة بالإكراه ــــ عند مواجهتهما بالتهمة المسندة إليهما، وإنما استندت إليه كقرينة تعزز به أدلة الثبوت التي أوردتها، فإنه لا يحاج على الحكم إن هو عول على تلك القرينة تأييداً وتعزيزاً للأدلة الأخرى التي اعتمد عليها في قضائه ما دام أنه لم يتخذ منها دليلاً أساسياً على ثبوت التهمة قبل الطاعنين، ويكون منعى الطاعن الأول في هذا الشأن غير سديد. فضلاً عن أن الحكم لم يستند إلى دليل مستمد من اعتراف مستقل للطاعنين بتحقيقات النيابة العامة، بل استند إلى ما أقرا به على ما سلف بيانه بهذا الحكم، وهو ما لا يعد اعترافاً منهما بما أسند إليهما، ولا يعدو ما أثبته وكيل النيابة في هذا الشأن مجرد قول للمحقق يخضع لتقدير المحكمة التي أفصحت عن اطمئنانها إليه في هذا الشق، ومن يكون النعي في غير محله. لما كان ذلك، وكان الطاعن الأول لم يدفع أمام محكمة الموضوع ببطلان اعترافه بالتحقيقات لكونه وليد إكراه مادي ومعنوي، فإن المحكمة لا تكون ملزمة بالرد على دفاع لم يثر أمامها ولا يجوز إبدائه لأول مرة أمام محكمة النقض. لما كان ذلك، وكان الحكم قد استند في إثبات التهمة في حق الطاعن الأول على أقوال شهود الإثبات وتقرير الصفة التشريحية للمجني عليه المتوفي والتقرير الطبي للمجني عليه المصاب، ولم يعول في ذلك على ثمة إقرار له بمحضر الضبط المدعى ببطلانه ولم يشر إليه في مدوناته، ومن ثم فقد انحسر عنه الالتزام بالرد استقلالاً على هذا الدفع، ويكون ما يثيره الطاعن الأول في هذا الصدد غير سديد. لما كان ذلك، وكان بحسب الحكم كيما يتم تدليله ويستقيم قضاؤه أن يورد الأدلة المنتجة التي صحت لديه على ما استخلصه من وقوع الجريمة المسندة إلى المتهم، ولا عليه أن يتتبعه في كل جزئية من جزئيات دفاعه، لأن مفاد التفاته عنها أنه اطرحها، فإن ما يثيره الطاعن الأول من عدم توافر أركان جريمة القتل العمد في حقه وقصور الحكم لعدم الرد على دفاعه بانتفائها، لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً في تقدير الدليل وفي سلطة محكمة الموضوع في وزن عناصر الدعوى واستنباط معتقدها، وهو ما لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن نية القتل هي من الأمور الموضوعية التي يستظهرها القاضي في حدود سلطته، باعتبارها أمراً داخلياً متعلقاً بالإرادة ويرجع تقدير توافره إلى سلطة قاضي الموضوع وحريته في تقدير الوقائع، وكان ما أورده الحكم تدليلاً على قيام نية القتل في حق الطاعنين يكفي لحمل قضائه، وكان الحكم قد أثبت بالأدلة السائغة التي أوردها أن الطاعنين قد اتفقا على ارتكاب جريمة السرقة التي وقعت جريمة القتل نتيجة محتملة لها ودلل على توافر نية القتل في حقهما باعتبارهما الفاعلين الأصليين في جريمة القتل العمد، فذلك حسبه، ومن ثم يكون منعاهما على الحكم في هذا الخصوص غير سديد. لما كان ذلك، وكان يبين من مدونات الحكم المطعون فيه أنه وإن استند فيما استند إليه إلى تقرير الصفة التشريحية وعزز به أدلة الثبوت التي أوردها، غير أنه لم يتخذ منه دليلاً أساسياً في ثبوت الاتهام قبل الطاعنين، ومن ثم فإن منعاهما في هذا الشأن لا يكون مقبولاً. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن معیار الاحتمال هو أمر موضوعي متعلق بالوقائع تفصل فيه محكمة الموضوع بغير معقب ما دام حكمها يساير التطبيق السليم للقانون، وإذا كان الحكم قد استخلص في منطق سائغ أن جناية قتل المجني عليه/ .......... كانت نتيجة محتملة لجناية الشروع في سرقة المجني عليه/ .......... بما أورده بمدوناته وما استدل به حال تحصيله للواقعة وتدليله على توافر نية القتل في حق الطاعنين الأول والثاني، ومن ثم فإن ما يثار في شأن ما استخلصه الحكم من اعتبار جريمة قتل المجني عليه الأول نتيجة محتملة لجريمة الشروع في سرقة المجني عليه الثاني يكون لا محل له. ولا ينال من ذلك أن اعترافات الطاعنين الأول والثاني بالتحقيقات قد اقتصرت على نية ارتكاب جريمة السرقة دون القتل، فإن ذلك لا يقيد حرية المحكمة في استخلاص قصد القتل من كافة ظروف وملابسات الواقعة ــــ كما هو الحال في الدعوى المطروحة، ومن ثم فإن ما منعاهما على الحكم في هذا الخصوص لا يكون سديداً. لما كان ذلك، وكان من المقرر من أنه يكفي لتغليظ العقاب عملاً بالفقرة الثانية من المادة 234 من قانون العقوبات أن يثبت الحكم استقلال الجريمة المقترنة عن جناية القتل وتميزها عنها وقيام المصاحبة الزمنية بينهما، بأن تكون الجرائم قد ارتكبت في وقت واحد وفي فترة قصيرة من الزمن، وتقدير ذلك مما يستقل به قاضي الموضوع ما دام يقيمه على ما يسوغه ــــ كما هو الحال في الدعوى المطروحة، فإن منعاهما بشأن قصور الحكم في بيان ظرف الاقتران يكون غير قويم. لما كان ذلك، وكان ما يثيره الطاعن الأول من منازعة في شأن التكييف القانوني للواقعة وأنها في حقيقتها ضرب أفضى إلى موت أو جنحة قتل خطأ، فإن ذلك مردود من أنه لا محل له، لأنه لا يعدو أن يكون نعياً وارداً على سلطة محكمة الموضوع في استخلاص الصورة الحقيقية لواقعة الدعوى أخذاً بأدلة الثبوت التي وثقت بها واطمأنت إليها، مما تستقل به بغير معقب ما دام قضاؤها في ذلك سليماً ــــ كما هو الحال في الدعوى. هذا إلى أن محكمة الموضوع غير ملزمة بتعقب المتهم في مناحي دفاعه الموضوعي والرد على كل شبهة يثيرها على استقلالٍ، إذ في قضائها بالإدانة استناداً إلى أدلة الثبوت التي أوردتها ما يفيد ضمناً أنها اطرحتها ولم تعول عليها، ويضحى ما يثيره الطاعن الأول في هذا الصدد غير مقبول. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن علاقة السببية في المواد الجنائية علاقة مادية تبدأ بالفعل الضار الذي قارفه الجاني وترتبط من الناحية المعنوية بما يجب أن يتوقعه من النتائج المألوفة لفعله إذا ما أتاه عمداً، وثبوت قيام هذه العلاقة من المسائل الموضوعية التي ينفرد قاضي الموضوع بتقديرها، فمتى فصل في شأنها إثباتاً أو نفياً، فلا رقابة لمحكمة النقض عليه ما دام قد أقام قضاءه في ذلك على أسبابٍ تؤدي إلى ما انتهى إليه، وكان الحكم المطعون فيه قد أثبت أن المجني عليه أصيب بكسور بالعظام وتهتكات بالرئتين والأوعية الدموية الرئيسية ونزيف دموي والتي يجوز حصولها مجتمعة من حادث قطار وأن الطاعنين هما المحدثان لها ثم أشار إلى نتيجة تقرير الصفة التشريحية في أن الوفاة تعزى إلى تلك الإصابات، فإنه يكون قد أثبت بما فيه الكفاية العناصر التي تستقيم بها علاقة السببية بين فعلتهما والنتيجة التي حدثت، ومن ثم فإنه لا محل لما ينعاه الطاعنان على الحكم في هذا الخصوص. لما كان ذلك، وكان الباعث على ارتكاب الجريمة ليس ركناً من أركانها أو عنصراً من عناصرها، فلا يقدح في سلامة الحكم عدم بيان الباعث تفصيلاً أو الخطأ فيه أو ابتنائه على الظن، ومن ثم يكون النعي على الحكم في هذا الخصوص غير سديد. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن ليس بلازم أن تتطابق أقوال الشهود ومضمون الدليل الفني، بل يكفي أن يكون جماع الدليل القولي غير متناقض مع الدليل الفني تناقضاً يستعصى على الملائمة والتوفيق، وإذ كان ما أورده الحكم من دليل قولي لا يتناقض مع ما نقله من دليل فني، بل يتلاءم معه، فإن الحكم يكون فوق تطبيقه صحيحاً قد خلا مما يظاهر دعوى الخلاف بين الدليلين القولي والفني أو الفساد في الاستدلال. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن لمحكمة الموضوع أن تستمد اقتناعها بثبوت الجريمة من أي دليل تطمئن إليه طالما أن هذا الدليل له مأخذه الصحيح من الأوراق، وكان من حق محكمة الموضوع أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة أمامها على بسط البحث الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدي إليه اقتناعها، وأن تطرح ما يخالفها من صور أخرى ما دام استخلاصها سائغاً مستنداً إلى أدلة مقبولة في العقل والمنطق ولها أصلها في الأوراق، وأن وزن أقوال الشهود وتقدير الظروف التي يؤدون فيها شهادتهم وتعويل القضاء على أقوالهم مهام وجه إليها من مطاعن وحام حولها من الشبهات ــــ كل ذلك ــــ مرجعه إلى محكمة الموضوع، تنزله المنزلة التي تراها وتقدره التقدير الذي تطمئن إليه، وهي متى أخذت بشهادتهم، فإن ذلك يفيد أنها اطرحت جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها، وأن تناقض الشاهد أو اختلاف رواية شهود الإثبات في بعض تفاصيلها أو مع بعضها البعض أو مع تحريات الشرطة وأقوال مجريها، لا يعيب الحكم ولا يقدح في سلامته ما دامت المحكمة قد استخلصت الحقيقة من أقوالهم استخلاصاً سائغاً لا تناقض فيه ــــ كما هو الحال في الدعوى الراهنة، وأنه لا يشترط في شهادة الشاهد أن تكون واردة على الحقيقة المراد إثباتها بأكملها وبجميع تفاصيلها على وجه دقيق، بل يكفي أن يكون من شأن تلك الشهادة أن تؤدي إلى هذه الحقيقة باستنتاج سائغ تجريه محكمة الموضوع يتلاءم به ما قاله الشاهد بالقدر الذي رواه مع عناصر الإثبات الأخرى المطروحة أمامها، وأنه لا يشترط أن تكون الأدلة التي يركن إليها الحكم بحيث ينبئ كل دليل منها ويقطع في كل جزئية من جزئيات الدعوى، إذ الأدلة في المواد الجنائية متساندة يكمل بعضها بعضاً ومنها مجتمعة تتكون عقيدة المحكمة، فلا ينظر إلى دليل بعينه لمناقشته على حدة دون باقي الأدلة، بل يكفي أن تكون الأدلة في مجموعها كوحدة مؤدية إلى ما قصده الحكم منها ومنتجة في اقتناع المحكمة واطمئنانها إلى ما انتهت إليه، وكان الحكم المطعون فيه قد كشف عن اطمئنانه إلى أقوال المجني عليه وأقوال شهود الإثبات واقتناعه بوقوع الحادث على الصورة التي شهدوا بها، فإن ما يثيره الطاعنان من منازعة في القوة التدليلية لأقوال المجني عليه وباقي شهود الإثبات بدعوى تناقضها وعدم معقولية تصويرهم للواقعة وبأن لها صورة أخرى مغايرة أو أنها لا تجدي في إثبات ارتكاب الجريمة ــــ على نحو ما أشارا بأسباب طعنهما ــــ ينحل إلى جدل موضوعي في تقدير الدليل، وهو ما تستقل به محكمة الموضوع ولا تجوز مجادلتها فيه أو مصادرة عقيدتها بشأنه أمام محكمة النقض. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن للمحكمة أن تعول في تكوين عقيدتها على ما جاء بتحريات الشرطة باعتبارها معززة لما ساقته من أدلة ما دامت تلك التحريات قد عرضت على بساط البحث، وكان الحكم المطعون فيه قد عرض للدفع بعدم جدية التحريات وأقوال مجريها واطرحه باطمئنان المحكمة لما جاء بتلك التحريات وأقوال محررها بالتحقيقات وجديتها وكفايتها للأسباب السائغة التي أوردها، فإن ما يثيره الطاعن الأول بشأن عدم جدية التحريات وأقوال مجريها لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً حول سلطة المحكمة في وزن أدلة الدعوى واستنباط معتقدها منها، مما لا تقبل إثارته أمام محكمة النقض. لما كان ذلك، وكانت محكمة الموضوع قد أقامت قضاءها على ما اقتنعت به من أدلة ترتد إلى أصل صحيح في الأوراق واستخلصت في منطق سائغ صحة إسناد التهمة إلى الطاعنين، وكان قضاؤها في هذا الشأن مبنياً على عقيدة استقرت في وجدانها عن جزم ويقين ولم يكن حكمها مؤسساً على مجرد استدلالات لا ترقى إلى مرتبة الدليل حسبما يذهب إليه الطاعن الأول، فإن ما يثيره في هذا الخصوص لا يخرج عن كونه جدلاً موضوعياً لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن لمحكمة الموضوع أن تحصل أقوال الشاهد وتفهم سياقها وتستشف مراميها ما دامت لا تحرف الشهادة عن مضمونها، كما أن عقيدة المحكمة إنما تقوم على المقاصد والمعاني لا على الألفاظ والمباني، وأن الخطأ في الإسناد لا يعيب الحكم ما لم يتناول من الأدلة ما يؤثر في عقيدة المحكمة، وكان المعنى المشترك بين ما حصله الحكم بياناً لواقعة الدعوى وأقوال شاهد الإثبات الثاني من أن المجني عليه/ ......... تمكن من الإمساك بأحد الطاعنين الماثلين فعاد الآخر لتمكين زميله من الفرار من قبضة المجني عليه ودفعاه تحت القطار، وبين ما سلم به الطاعن الثاني في أسباب طعنه من أن أقوال شاهد الإثبات الثاني جرت في التحقيقات من أن المجني عليه سالف الذكر تمكن من الإمساك بالطاعنين وليس بأحدهما فقط، هو معنى واحد في الدلالة على أن الطاعن الثاني كان موجوداً على مسرح الأحداث وساهم بنصيب في الأفعال المكونة للجريمة، وهو المعنى الذي تتحقق به مسئوليته عن واقعة قتل المجني عليه، فإن ما يثيره الطاعن الثاني نعياً على الحكم في هذا الصدد لا يكون مقبولاً. لما كان ذلك، وكان الحكم قد حصل أقوال شاهد الإثبات الرابع/ .......... بما يتفق وما تضمنته أسباب الطعن منها، فإن النعي عليه بدعوى الخطأ في الإسناد ومخالفة الثابت بالأوراق تكون غير مقبولة. ولا يغير من الأمر أن الطاعن الثاني أراد لتلك الأقوال غير المعنى الذي استخلصه الحكم، ذلك بأنه من المقرر أن من حق محكمة الموضوع أن تحصل أقوال الشهود وأن تفهم سياقها وتستشف مراميها ما دامت فيما تحصله لا تحرف الشهادة عن موضعها ــــ كما هو الحال في الدعوى المطروحة، ومن ثم فإن ما ينعاه الطاعن الثاني بهذا الصدد يكون على غير محل. لما كان ذلك، وكانت مدونات الحكم المطعون فيه تنبئ عن أن المحكمة ألمت بواقعة الدعوى وأحاطت بالاتهام المسند إلى المحكوم عليهما ودانتهما بالأدلة السائغة التي أخذت بها وهي على بينة من أمرها، فإن مجادلتها في ذلك بدعوى الفساد في الاستدلال وباختلال صورة الواقعة لديها وعدم استقرارها في وجدانها، ينطوي على منازعة موضوعية فيما تستقل به محكمة الموضوع بغير معقب. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن الدفع بانتفاء الصلة بالواقعة وعدم التواجد على مسرح الجريمة من أوجه الدفاع الموضوعية التي لا تستوجب في الأصل من المحكمة رداً صريحاً ما دام الرد يستفاد ضمناً من القضاء بالإدانة استناداً إلى أدلة الثبوت التي أوردها الحكم، وكان بحسب الحكم كيما يتم تدليله ويستقيم قضاؤه أن يورد الأدلة المنتجة التي صحت لديه ما استخلصه من وقوع الجريمة المسندة إلى المتهم، ولا عليه أن يتعقبه في كل جزئية من جزئيات دفاعه، لأن مفاد التفاته عنها أنه اطرحها، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن الأول في هذا الشأن يكون غير مقبول. لما كان ذلك، وكان ما يثيره الطاعنان بشأن قصور تحقيقات النيابة العامة لعدم بيان كيفية دفع المجني عليه وسقوطه أمام القطار وعدم إجراء معاينة تصويرية لمسرح الجريمة، لا يعدو أن يكون تعييباً للتحقيق الذي جرى في المرحلة السابقة على المحاكمة، مما لا يصلح أن يكون سبباً للطعن، وكان الطاعنان لم يطلبا من المحكمة تدارك هذا النقص أو إجراء تحقيق بشأن ما أثاراه، فليس لهما أن ينعيا عليها قعودها عن اتخاذ إجراء لم يُطلب منها ولم تر هي حاجة لإجرائه، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعنان في هذا الشأن يكون غير مقبول. لما كان ذلك، وكان الطلب الذي تلتزم محكمة الموضوع بإجابته أو الرد عليه هو الطلب الجازم الذي يصر عليه مقدمه ولا ينفك عن التمسك والإصرار عليه في طلباته الختامية، وكان البين من محضر جلسة المحاكمة بتاريخ 3/1/2023 التي تمت فيها المرافعة وصدر بها قرار المحكمة بإحالة أوراق الدعوى إلى فضيلة مفتي الجمهورية لإبداء الرأي وتحديد جلسة 5/2/2023 للنطق بالحكم الذي صدر بها فعلاً أن المدافع عن الطاعنين الأول والثاني طلب في مستهل مرافعته مناقشة شهود الإثبات الأول والثاني والثالث والطبيب الشرعي، غير أنه أتم مرافعته دون أن يصر على هذا الطلب في طلباته الختامية، مما يفقده خصائص الطلب الجازم الذي تلتزم المحكمة بإجابته أو الرد عليه، ومع ذلك، فإن الحكم عرض له وكان ما أورده في معرض رده عليه يعتبر كافياً وسائغاً في رفضه، فإن شبهة الإخلال بحق الدفاع تكون منتفية. لما كان ذلك، وكان البين من الإطلاع على محضر جلسة 3/1/2023 أن الطاعن الأول حضر ومعه محام، ولم يبد ما يدل على أنه أُجبر على المرافعة، بل ترافع وأبدى ما تسنى له من دفاعٍ وانتهى إلى طلب البراءة، وكان من المقرر أن الأصل في الإجراءات الصحة ولا يجوز الادعاء بما يخالف ما أثبت سواء في محضر الجلسة أو الحكم إلا بطريق الطعن بالتزوير، وإذ كان الطاعن الأول لم يسلك هذا السبيل في خصوص ما أثبت بمحضر الجلسة من مرافعة بغير إجبار، فإن منعاه في هذا الشأن لا يكون له محل. لما كان ذلك، وكانت محكمة الموضوع قد قالت كلمتها من حيث ثبوت إسناد الجريمتين المنسوبتين إلى الطاعنين الأول والثاني، وكان لهذه المحكمة ــــ محكمة النقض ــــ إعمالاً للسلطة المخولة لها بالنظر إلى ظروف الواقعة وملابساتها تقدير العقوبة المناسبة عن الجريمتين اللتين دين الطاعنان الأول والثاني بهما إعمالاً للقانون رقم 11 لسنة 2017 دون حاجة إلى نظر الدعوى موضوعاً من أجل تقدير العقوبة وحدها، وأن ذلك يستتبع أن يكون لها ــــ محكمة النقض ــــ أن تعمل في حقهما المادة ١٧ من قانون العقوبات والنزول بالعقوبة المقيدة للحرية المقضي بها على الطاعنين الأول والثاني بجعلها السجن المؤبد بدلاً من عقوبة الإعدام المقضي بها ورفض الطعن فيما عدا ذلك.
ثانياً: بالنسبة لعرض النيابة العامة للقضية:
ومن حيث إن هذه المحكمة ــــ محكمة النقض ــــ انتهت إلى القضاء بتعديل الحكم المعروض بإلغاء عقوبة الإعدام المقضي بها على المحكوم عليهما ومعاقبتهما بالسجن المؤبد، فإن موضوع عرض النيابة العامة للقضية صار ولا محل له، وتكتفي بإيراد ذلك في الأسباب دون النص عليه في المنطوق.
ثالثاً: بالنسبة لطعن المحكوم عليه الثالث/ ...........:
حيث إن الطعن قد استوفى الشكل المقرر في القانون.
وحيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجريمتي القتل العمد المقترن بجناية الشروع في السرقة بالإكراه بالطريق العام مع التعدد الذي ترك أثر جروح حال كون المجني عليه فيها طفل قد شابه القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال، ذلك بأن ما أورده بياناً لنية القتل لا يكفي لاستظهارها والاستدلال عليها في حقه، وخلص إلى توافر تلك النية لديه باعتبار أن القتل نتيجة محتملة لجريمة السرقة بالإكراه المتفق عليها رغم اقتصار دوره في الواقعة على الشروع في السرقة بالإكراه وعدم صدور أي أفعال مادية منه يمكن أن يستدل منها على توافر نية القتل في حقه، بما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.
وحيث إنه لما كان من المقرر أن جرائم القتل العمد تتميز قانوناً عن غيرها من جرائم التعدي على النفس بعنصر خاص هو أن يقصد الجاني من ارتكابه الفعل الجنائي إزهاق روح المجني عليه، وهذا العنصر ذو طابع خاص ويختلف عن القصد الجنائي العام الذي يتطلبه القانون في سائر الجرائم، وهو بطبيعته أمر يبطنه الجاني ويضمره في نفسه، ومن ثم فإن الحكم الذي يقضي بإدانة المتهم في هذه الجناية يجب أن يعني بالتحدث عن هذا الركن استقلالاً واستظهاره بإيراد الأدلة التي تثبت توافره، كما أنه من المقرر أن القصد الاحتمالي هو نية ثانوية تختلج بها نفس الجاني، قوامه أن يتوقع أن فعله يمكن أن يُحدث النتيجة الإجرامية التي لا يتغياها بالدرجة الأولى، فيمضي مع ذلك في تنفيذ الفعل مستوياً لديه حصول هذه النتيجة أو عدم حصولها بما يوفر لديه قبول تحققها، ومن ثم يجب لتوافر القصد الاحتمالي في جريمة القتل العمد أن يكون الجاني قد توقع وفاة المجني عليه كأثر لفعله وأن يقبل ويرضى بتحقق هذه النتيجة، وينبغي أيضاً على الحكم الذي يقضي بإدانة متهم في هذه الجناية استناداً إلى توافر القصد الاحتمالي لديه أن يعنى بالتحدث استقلالاً عن اتجاه إرادته نحو إزهاق روح المجني عليه متمثلاً في قبوله تحقق هذا الغرض إلى جانب الغرض الأول الذي استهدفه بفعله، وأن يورد الأدلة التي تدل عليه وتكشف عنه، فلا يكفيه في هذا المقام التحدث عن استطاعة المتهم التوقع أو وجوبه، بل يجب عليه أن يدلل على التوقع الفعلي وقبول إزهاق روح المجني عليه. لما كان ذلك، وكان ما أورده الحكم تدليلاً على نية القتل لدى الطاعن الماثل لا يفيد في مجموعة سوى الحديث عن الأفعال المادية التي اقترفها الطاعنان الأول والثاني دون أن يستظهر القصد الخاص لدى الطاعن الثالث بإيراد الأدلة والمظاهر الخارجية التي تدل عليه وتكشف عنه، سيما أنه قد وقف في هذا الشأن عند حد التدليل على إمكان توقعه تحقق وفاة المجني عليه كأثر لفعل الطاعنين الأول والثاني باعتبار أن ذلك من النتائج المألوفة دون أن يعنى بالكشف عن توافر التوقع الفعلي لديه واتجاه إرادته نحو إزهاق روح المجني عليه متخذاً من اتفاقه مع الطاعنين الأول والثاني على السرقة دليلاً على ذلك، فإن الحكم يكون فوق قصوره مشوباً بالفساد في الاستدلال متعيناً نقضه بغير حاجة إلى بحث باقي أوجه الطعن الأخرى.
لما كان ذلك، وكانت الدعوى بحالتها صالحة للفصل في موضوعها ــــ لاشتمالها على المفردات ــــ دون حاجة إلى تحديد جلسة لنظرها، فإن المحكمة تعرض لموضوع الدعوى.
ومن حيث إن واقعة الدعوى حسبما استقرت في يقين المحكمة واطمأن إليه وجدانها مستخلصة من اطلاعها على سائر أوراقها وما تم فيها من تحقيقات، تتحصل في أنه وعلى أثر مرور المتهم/ ......... ــــ والطاعنين الآخرين ــــ بضائقة مالية اتفقوا فيما بينهم على سرقة من يتصادف مروره من قائدي الدراجات النارية "توك توك" لبيعها واقتسام ثمنها فيما بينهم، وأنه نفاذاً لذلك الاتفاق وقفوا على جانب الطريق في انتظار ضحية مناسبة لتنفيذ اتفاقهم، وعندما أبصروا المجني عليه الطفل/ ........ يقود دراجة نارية "توك توك" وجدوا فيه ضالتهم المنشودة وأغراهم صغر سنه لتنفيذ جريمتهم فاستوقفوه بزعم توصيلهم إلى أحد الأماكن، وفي الطريق أمروه بالوقوف ونزلوا من الدراجة النارية وقاموا بجذبه خارجها وتعدوا عليه بالضرب محدثين إصاباته الموصوفة بالتقرير الطبي وعند سقوطه أرضاً استقلوا الدراجة النارية وانطلقوا بها محاولين الفرار، فلاحقهم مستغيثاً بالمارة والأهالي، وهو ما أسفر عن ضبط المتهم/ ......... الذي أقر بتحقيقات النيابة العامة وأمام محكمة الجنايات بارتكاب الواقعة.
وحيث إن الواقعة على النحو سالف البيان قد استقام الدليل على ثبوتها وصحة إسنادها في حق المتهم/ ........... ، وذلك أخذاً من أقوال كلٍ من المجني عليه/ ........ و......... والمقدم/ .......... ــــ رئيس مباحث مركز شرطة ......... ــــ ومما ثبت بالتقرير الطبي للمجنى عليه ومن إقرار المتهم بتحقيقات النيابة العامة وأمام محكمة الجنايات.
حيث شهد المجني عليه/ ........... بالتحقيقات بأن المتهم الماثل والطاعنين الأول والثاني استوقفوه حال قيادته الدراجة النارية "توك توك" بزعم توصليهم إلى أحد الأماكن، وحال سيره بهم في الطريق أمروه بالتوقف وعند نزولهم من الدراجة النارية قاموا بإخراجه منها عنوة وتعدوا عليه بالضرب محدثين إصاباته وعند سقوطه أرضاً استقلوا الدراجة النارية وانطلقوا بها محاولين الفرار بقصد سرقتها فاستغاث بالمارة الذين لاحقوهم وتمكنوا من الإمساك بالمتهم الماثل والدراجة النارية "التوك توك" التي كان يستقلها مع المتهمين الآخرين.
وشهد ......... بالتحقيقات بأنه أثناء مروره بمكان الواقعة وبرفقته الشاهد الثالث سمع صوت صراخ واستغاثة من المجني عليه ــــ الشاهد الأول ــــ لنجدته بسبب تعدي المتهمين عليه بالضرب وسرقة دراجته النارية كرهاً عنه والفرار بها، فلاحقوهم وجمع من الأهالي وتمكنوا من الإمساك بالمتهم الماثل.
و............ بالتحقيقات بمضمون ما شهد به الشاهد السابق.
وشهد المقدم/ ............ ــــ رئيس مباحث مركز شرطة .......... ــــ بالتحقيقات بأن تحرياته السرية دلت على صحة ارتكاب المتهم الماثل ومعه آخرين للواقعة، بأن اتفقوا فيما بينهم على سرقة إحدى الدراجات النارية "توك توك" كرهاً عن قائدها، وأنه نفاذاً لذلك الاتفاق وقفوا على جانب الطريق في انتظار ضحية مناسبة لتنفيذ اتفاقهم وعندما أبصروا المجني عليه الطفل/ .......... يقود دراجة نارية "توك توك" وجدوا فيه ضالتهم المنشودة وأغراهم صغر سنه لتنفيذ جريمتهم فاستوقفوه بزعم توصيلهم إلى أحد الأماكن واستقلوا معه الدراجة النارية، وحال سيره بهم في الطريق إلى وجهتهم وما أن سنحت لهم الفرصة للاستيلاء على الدراجة النارية التي يقودها أمروه بالتوقف على جانب الطريق وترجلوا من المركبة وتعدوا عليه بالضرب مخرجين إياه منها واستقلوها محاولين الفرار، فاستغاث المجني عليه بالمارة الذين تمكنوا من اللحاق بهم والإمساك بالدراجة والمتهم الماثل.
وحيث ثبت بالتقرير الطبي للمجنى عليه/ .......... وجود كدمة بالوجه أسفل العين اليسرى وسحجات بالوجه والرقبة وسحجة أعلى الصدر.
وحيث إنه باستجواب المتهم/ .......... والمتهمين الآخرين بتحقيقات النيابة العامة أقروا بارتكابهم لواقعة سرقة المجني عليه/ .......... كرهاً عنه.
وحيث إنه لدى مثول المتهم/.......... والمتهمين الآخرين بالجلسات أمام محكمة الجنايات أقروا بشروعهم في سرقة الدراجة النارية من المجني عليه الطفل/ ..............
وحيث إنه من المقرر أن المحكمة لا تتقيد بالوصف القانوني الذي تسبغه النيابة العامة على الفعل المسند إلى المتهم، لأن هذا الوصف ليس نهائياً بطبيعته، وليس من شأنه أن يمنع المحكمة من تعديله متى رأت أن ترد الواقعة بعد تمحيصها إلى الوصف القانوني السليم، وكانت الواقعة المسندة إلى المتهم/ .......... حسبما استخلصتها المحكمة تشكل وفقاً لتكييفها القانوني الصحيح جناية الشروع في السرقة بالإكراه التي وقعت على طفل، ومن ثم فإنها تمضي في محاكمته طبقاً لهذا الأساس.
وحيث إن المادة 45/1 من قانون العقوبات قد عرفت الشروع بأنه "البدء في تنفيذ فعل بقصد ارتكاب جناية أو جنحة إذا أوقف أو خاب أثره لأسباب لا دخل لإرادة الفاعل فيها"، فلا يشترط لتحقق الشروع أن يبدأ الفاعل بتنفيذ جزء من الأعمال المكونة للركن المادي للجريمة، بل يكفي لاعتبار أنه شرع في ارتكاب جريمة ــــ جناية أو جنحة ــــ أن يبدأ في تنفيذ فعل ما سابق مباشرة على تنفيذ الركن المادي لها ومؤد إليه حتماً، وبعبارة أخرى يكفي أن يكون الفعل الذي باشره الجاني هو الخطوة الأولى في سبيل ارتكاب الجريمة، وأن يكون بذاته مؤدياً حالاً وعن طريق مباشر إلى ارتكاب الجريمة ما دام قصد الجاني من هذا الفعل معلوماً وثابتاً، وكان من المقرر أن تقدير العوامل التي أدت إلى وقف الفعل الجنائي أو خيبة أثره وكون الأسباب التي من أجلها لم تتم الجريمة هي إرادية أو خارجة عن إرادة الجاني، هو أمر متعلق بالوقائع يفصل فيه قاضي الموضوع، وكان يكفي أن تستخلص المحكمة وقوع السرقة لكى يستفاد توافر فعل الاختلاس، وكان القصد الجنائي في جريمة السرقة هو قيام العلم عند الجاني وقت ارتكاب الفعل بأنه يختلس المنقول المملوك للغير عن غير رضاء مالكه بنية امتلاكه، وكان الإكراه في السرقة يتحقق بكل وسيلة قسرية تقع على الأشخاص لتعطيل قوة المقاومة أو إعدامها عندهم تسهيلاً للسرقة، وكان إثبات الارتباط بين السرقة والإكراه هو من الموضوع الذي يستقل به قاضيه بغير معقب ما دام قد استخلصه مما ينتجه، ولا يشترط تحدث الحكم استقلالاً عن الركن المادي والقصد الجنائي والإكراه، بل يكفي أن يكون ذلك مستفاداً منه، وكان من المقرر أيضاً أن لمحكمة الموضوع أن تستمد اقتناعها بثبوت الجريمة من أي دليل تطمئن إليه طالما أن هذا الدليل له مأخذه الصحيح من أوراق الدعوى، كما أن العبرة في المحاكمات الجنائية هي باقتناع قاضي الموضوع بناء على الأدلة المطروحة عليه، فلا يصح مطالبته الأخذ بدليل معين، وكان تقدير الدليل موكولاً لمحكمة الموضوع، ومتى اقتنعت به واطمأنت إليه، فلا معقب عليها في ذلك، وكان من سلطتها أن تأخذ من أي بينة أو قرينة ترتاح إليها دليلاً لحكمها، كما أن لها في سبيل تكوين عقيدتها أن تأخذ بقرائن الأحوال، وهي من طرق الإثبات الأصلية في المواد الجنائية، وأن تعول على ما جاء بتحريات الشرطة باعتبارها قرينة معززة لما ساقته من أدلة أساسية، وكانت المحكمة قد اطمأنت من أدلة الثبوت القولية والفنية في الدعوى على الصراط المتقدم إلى ارتكاب المتهم لما أسندته إليه، ومن ثم فإنها تأخذ بها أساساً لقضائها وتلتفت عن كل ما أثاره من أوجه دفاع موضوعية أمام محكمة الجنايات.
وحيث إنه هدياً بما تقدم وبالبناء عليه، فإنه يكون قد ثبت في عقيدة المحكمة على وجه القطع واليقين أن المتهم: ............ في يوم 2/7/2022 بدائرة مركز شرطة ........... محافظة ........ ــــ شرع ــــ وآخرين قضى بإدانتهما ــــ في سرقة الدراجة النارية "توك توك" التي كان يقودها المجني عليه الطفل/ ......... وكان ذلك بطريق الإكراه الواقع عليه، بأن استقلوها معه بزعم توصيلهم إلى أحد الأماكن، وما أن وصلوا إلى مكانٍ ناءٍ حتى أمروه بالوقوف على جانب الطريق وجذبوه عنوة خارج الدراجة النارية وتعدوا عليه بالضرب محدثين إصاباته الموصوفة بالتقرير الطبي المرفق، وهو ما بث الرعب في نفسه وتمكنوا بتلك الوسيلة القسرية من شل مقاومته والاستيلاء على الدراجة النارية قيادته محاولين الفرار بها، إلا أنه قد أوقف أثر جريمتهم لسبب لا دخل لإرادتهم فيه، هو ضبطهم بمساعدة المارة والأهالي والجريمة متلبساً بها.
الأمر الذي يتعين معه إدانته عملاً بنص المادة 304/2 من قانون الإجراءات الجنائية ومعاقبته طبقاً للمواد 45/1، 46، 314، 315/ ثانياً من قانون العقوبات والمادتين 2، 116 مكرراً من القانون رقم 12 لسنة 1996 بشأن الطفل المعدل بالقانون رقم 126 لسنة 2008.
وحيث إنه عن المصاريف الجنائية، فإن المحكمة تلزم المتهم بها عملاً بنص المادة 313 من قانون الإجراءات الجنائية.
فلهــذه الأسبـــاب
حكمت المحكمة:أولًا: بقبول طعن المحكوم عليهما الأول/ ......... والثاني/ ........ شكلًا وبتعديل العقوبة بالنسبة لهما بجعلها السجن المؤبد ورفض طعنهما فيما عدا ذلك.
ثانيًا: بقبول طعن المحكوم عليه الثالث/ ...........شكلًا وفي الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه وبمعاقبته بالسجن المشدد لمدة سبع سنوات وإلزامه بالمصاريف الجنائية.

