حكم "بيانات التسبيب" "تسبيبه. تسبيب غير معيب".
الموجز
نص الحكم
باسم الشعب
محكمـــة النقــــــض
الدائــرة الجنائيـة
الثلاثاء (ب)
ــــــــــــــ
المؤلفة برئاسة السيد المستشار/ محمـــــد سامــي إبراهيــــم نائـــب رئيس المحكمــة
وعضوية السادة المستشــارين / هـــــــــادي عبد الرحمــــن هشـــــام الجنـــــــــدي
هشــــــام والــــــي ومحمــود إبراهيــــم
نــــــواب رئيــس المحكمـــة
وحضور رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض السيد/ أحمد حلفه.
وأمين السر السيد/ مصطفى محمد.
في الجلسة العلنية المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة.
في يوم الثلاثاء 12 من ربيع الأول سنة 1443هـ الموافق 19 من أكتوبر سنة 2021م.
أصدرت الحكم الآتي:
فـي الطعن المقيد في جدول المحكمة برقم 862 لسنة 90 القضائية
المرفوع مــــن:
1ــــ ..............................
2ــــ ................... " محكوم عليهما ــــ طاعنان "
ضــــــــــد
النيابـــة العامـــة " مطعون ضدها "
" الوقائــع "
اتهمت النيابة العامة الطاعنين وآخرين في قضية الجناية رقم ....... لسنة ..... قسم ....... (والمقيدة بالجدول الكلي برقم ...... لسنة ......... ............).
بأنهم في غضون عام 2015 بدائرة قسم ....... ــــ محافظة...........
ــــ ارتكبوا تزوير في محررات لإحدى شركات المساهمة هي شهادة ضمان لأجهزة إطفاء حريق منسوب صدورها لشركة ........ للصناعات الهندسية التابعة لوزارة ......... وذلك بجعل واقعة مزورة في صورة واقعة صحيحة بطريق الاصطناع الكلي بأن قاموا بإنشاء تلك المحررات على غرار المحررات الصحيحة وزيلوها بتوقيعات ثم نسبتها زورًا للمختصين بتلك الشركة سالفة الذكر ومهرهـا بأختـام وعلامات مقلدة منسوبة لـذات الشركة وذلك على النحو الوارد بالتحقيقات.
ــــ قلدوا أختام وعلامات منسوب صدورها لإحدى شركات المساهمة وهي شركة ....... للصناعات الهندسية التابعة لوزارة ......... بأن اصطنعوه على غرار الصحيح واستعملوه بوضع بصمته على المحررات المزورة محل الاتهام الأول.
ــــ استعملوا المحررات المزورة محل الاتهام الأول فيما زور من أجله بأن قاموا بتقديمه إلى القائمين على شركة .........للتجارة والمقاولات للاحتجاج بما هو مدون بها من بيانات مع علمهم بتزويرها وذلك على النحو الوارد بالتحقيقات.
ــــ توصلوا إلى الاستيلاء على المبالغ النقدية المبين قدرها بالتحقيقات والمملوكة لشركة........... للتجارة والمقاولات وكان ذلك باستعمال طرق احتيالية محل الاتهامات السابقة وإيهام القائمين على الشركة سالفة الذكر بواقعة مزورة وذلك على النحو الوارد بالتحقيقات.
وأحالتهم إلى محكمة جنايات...... لمعاقبتهم طبقًا للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة.
ولدى تداول الدعوى مثل محام وكيلا عن شـركة ........للصناعات الهندسية وادعى مدنيًا قبل المتهمين بمبلغ عشرة آلاف وواحد جنيه على سبيل التعويض المدني المؤقت.
كما مثل محام وكيلا عن شركة ........ للتجارة والمقاولات وادعى مدنيًا قبل المتهمين بمبلغ مائة ألف جنيه على سبيل التعويض المدني المؤقت.
والمحكمـة المذكورة قضـت حـضـوريًا للطاعنين بجلسة 21 من سبتمبر لسنة 2019 وعملًا بالمواد ٢٠٦ مكررًا، ٢١٤ مكررًا، 336 من قانون العقوبات مع إعمال مقتضى المادة ٣٢ من ذات القانون ــــ بمعاقبتهما بالسجن لمدة ثلاث سنوات عما أسند لكل منهما وبمصادرة المحررات المزورة وبإلزام المحكوم عليهم بالمصاريف الجنائية وبإحالة الدعويين المدنيتين للمحكمة المدنية المختصة.
فطعن المحامي/ ............ بصفته وكيلا عن المحكوم عليهما في هذا الحكم بطريق النقض بتاريخ 7 من نوفمبر سنة 2019. وبذات التاريخ أودعت مذكرة بأسباب الطعن بالنقض عن المحكوم عليهما موقعًا عليها من ذات المحام المقرر بالطعن.
كما أودعت مذكرة أخرى بأسباب الطعن بالنقض عن المحكوم عليهما بتاريخ 20 من نوفمبر سنة 2019 موقعًا عليها من المحامي/ ...............
وبجلسة اليوم سمعت المحكمة المرافعة على ما هو مبين بمحضر الجلسة.
المحكمــة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد المستشار المقرر والمرافعة وبعد المداولة قانونًا.
وحيث إن الطعن استوفى الشكل المقرر في القانون.
من حيث إن الطاعنين ينعيان على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانهما بجرائم الاشتراك في تزوير محررات وتقليد أختام إحدى الشركات المساهمة واستعمالها مع علمهما بأمر تزويرها وتقليدها والنصب قد شابه القصور والتناقض في التسبيب والفساد في الاستدلال والإخلال بحق الدفاع ذلك بأنه حرر في صورة غامضة مبهمة وبصيغة عامة معماة خلت من بيان واقعة الدعوى بيانًا كافيًا، ولم يورد مضمون أدلة الثبوت التي أقام عليها قضاءه، ولم يبين الأفعال المادية التي أتاها المتهمان والتي تفصح عن الدور الذي قام به كل منهما، ولم يدلل تدليلًا كافيًا على توافر أركان الجرائم التي دانهما بها، ولم يستظهر القصد الجنائي في حقهما برغم انتفاء علمهما بتزوير تلك المحررات، كما خلا الحكم من بيان مضمون المحررات المزورة وما انطوت عليه من تزويرٍ وكيفيته مكتفيًا بما أثبته بمدوناته من مجرد فض الحرز الذي يحتوي على تلك المحررات، كما لم يستظهر ركن الضرر، واعتبر التزوير في المحرر تزويرًا في محرر رسمي رغم أنه محرر عرفي، فضلًا عن أن التزوير كان مفضوحًا لا ينخدع به الشخص العادي، وأنه ليس لهما مصلحة في حصول التزوير وإنما تتحقق المصلحة لآخرين، وعول الحكم في الإدانة على أقوال شاهد الإثبات السادس رغم وجود خصومة بينه وبين الطاعنين الأمر الذي كان يتعين معه على المحكمة سؤاله وباقي شهود الإثبات استجلاءً لوجه الحق في الدعوى، كما تساند في قضائه إلى تحريات الشرطة رغم عدم جديتها لشواهد عدة ومع أنها لا تصلح دليلًا للإدانة، فضلًا عن أنه عاد واطرحها في حق متهم آخر قضي ببراءته عن ذات الاتهام مما يصم تدليله بالتناقض، هذا وقضت المحكمة بإدانتهما بجرائم الاشتراك مع مجهول في تزوير المحررات رغم خلو الأوراق مما يفيد أن أحدًا من الطاعنين قد حرر بخطه أي من بيانات المحررات أو التوصل إلى شخص المجهول الذي اشترك معه في التزوير خاصة وأنه لم يتم ضبط ثمة أدوات مما تستعمل في التزوير أو التقليد وهو ما يدل على أن الحكم أقام قضاءه على الظن والاحتمال، وأخيرًا فقد أعرض الحكم عن دفاعهما بانتفاء صلتهما بالواقعة، كل ذلك مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.
حيث إن المادة 310 من قانون الإجراءات الجنائية قد أوجبت في كل حكم بالإدانة أن يشتمل على بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة بيانًا تتحقق به أركان الجريمة والظروف التي وقعت فيها والأدلة التي استخلصت منها المحكمة ثبوت وقوعها من المتهم، وكان يبين مما سطره الحكم أنه بيَّن واقعة الدعوي بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دان الطاعنين بها، وأورد على ثبوتها في حقهما أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها وأورد مؤدى الأدلة التي استند إليها في الإدانة في بيانٍ وافٍ، وجاء استعراض المحكمة للأدلة على نحوٍ يدل على أنها محصتها التمحيص الكافي وألمت بها إلمامًا شاملًا يفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة، وكان من المقرر أن القانون لم يرسم شكلًا خاصًا يصوغ فيه الحكم بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها، فمتى كان مجموع ما أورده الحكم ــــ كما هو الحال في الدعوى المطروحة ــــ كافيًا في تفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصته المحكمة كان ذلك محققًا لحكم القانون، وكان تحصيل المحكمة للواقعة في حدود الدعوى المطروحة قد جاء وافيًا في شأن بيان الأفعال المادية التي أتاها كل من الطاعنين بما يفصح عن الدور الذي قام به كل منهما في الجريمة التي دانهما الحكم بها، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعنان في هذا الخصوص يكون على غير أساس. لما كان ذلك، وكان القانون الجنائي لم يجعل لإثبات جرائم التزوير طريقًا خاصًا، وكان من المقرر أن الاشتراك في جرائم التزوير يتم غالبًا دون مظاهر خارجية وأعمال مادية محسوسة يمكن الاستدلال بها عليه، ومن ثم يكفي لثبوته أن تكون المحكمة اعتقدت بحصوله من ظروف الدعوى وملابساتها وأن يكون اعتقادها سائغًا تبرره الوقائع التي بينها الحكم، وكان الأصل في المحاكمات الجنائية هو اقتناع القاضي بناء على الأدلة المطروحة عليه فله أن يكون عقيدته من أي دليل أو قرينة يرتاح إليها إلا إذا قيده القانون بدليلٍ معين ينص عليه، وكان لا يشترط أن تكون الأدلة التي اعتمد عليها الحكم بحيث ينبئ كل دليل ويقطع في كل جزئية من جزئيات الدعوى إذ الأدلة في المواد الجنائية متساندة يكمل بعضها بعضًا ومنها مجتمعة تتكون عقيدة المحكمة، فلا ينظر إلى دليلٍ بعينه لمناقشته على حدة دون باقي الأدلة بل يكفي أن تكون الأدلة في مجموعها كوحدة مؤدية إلى ما قصده الحكم منها ومنتجة في اكتمال اقتناع المحكمة واطمئنانها إلى ما انتهت إليه، وكان جماع ما أورده الحكم من الأدلة والقرائن التي اطمأنت المحكمة إليها يسوغ ما رتب عليه ويصح استدلال الحكم به على ثبوت وقائع تقليد الأختام واستعمالها مع العلم بتقليدها والاشتراك في تزوير المحررات والنصب في حق الطاعنين، فهذا حسبه ليبرأ من قالة القصور في التسبيب أو الفساد في الاستدلال وينحل ما يثيره الطاعنان في هذا الشأن إلى جدلٍ موضوعيِّ لا يقبل إثارته أمام محكمة النقض. لما كان ذلك، وكان من المقرر أنه لا يلزم أن يتحدث الحكم صراحة واستقلالًا عن كل ركن من أركان جريمتي التقليد والتزوير ما دام قد أورد من الوقائع ما يدل عليه، ويتحقق القصد الجنائي في جرائم تقليد خاتم إحدى الشركات المساهمة وتزوير المحررات الخاصة بها متى تعمد الجاني تغيير الحقيقة في المحررات أو تقليد الخاتم مع انتواء استعمال المحرر أو الخاتم في الغرض الذي من أجله غُيرت الحقيقة أو ارتُكب التقليد، وليس أمرًا لازمًا التحدث صراحة واستقلالًا في الحكم عن توافر هذا الركن ما دام قد أورد من الوقائع ما يشهد لقيامه ــــ كما هو الحال في الدعوى الراهنة، فإن منعى الطاعنين على الحكم إذ دانهما على الرغم من انتفاء القصد الجنائي لديهما يكون على غير أساس. لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد اعتبر الجرائم المسندة إلى الطاعنين مرتبطة ارتباطًا لا يقبل التجزئة وأعمل في حقهما الفقرة الثانية من المادة ٣٢ من قانون العقوبات وأوقع عليهما العقوبة المقررة لأشدها، فإن ما ينعاه الطاعنان على الحكم من قصورٍ في التدليل على توافر أركان باقي الجرائم لا يكون سديدًا. لما كان من ذلك، وكان الثابت بمحاضر جلسات المحاكمة التي مثل بها الطاعنان والمدافعان عنهما أن المحكمة قامت بفض الأحراز واطلعت عليها الدفاع الحاضر معهما، فغدت محتوياتها معروضة على بساط البحث والمناقشة بالجلسة، وكان لا سند لإلزام المحكمة بأن تثبت ماهية المحررات المزورة التي تحتوي عليها الأحراز ومضمونها في صلب الحكم أو بمحضر الجلسة، هذا فضلًا عن أن الحكم المطعون فيه قد عين المحررات المزورة وأوضح ما انطوت عليه من بيانات تغاير الحقيقة ــــ خلافًا لما يزعمه الطاعنان، ومن ثم فإن النعي بإغفال بيان مضمون المحررات المزورة يكون في غير محله. لما كان ذلك، وكان تقدير الضرر في التزوير من إطلاقات محكمة الموضوع متى كان سائغًا، وكان الحكم المطعون فيه قد أشار إلى الضرر المتحقق من تزوير شهادات الضمان متمثلًا في العبث بمحررات شركة ........ للصناعات الهندسية المنسوبة إليها وأختامها وقيام الطاعنين بالاستيلاء على المبالغ النقدية المملوكة لشركة ........ للتجارة والمقاولات، فحسبه ذلك. لما كان ذلك، وكانت المادة ٢١٤ مكررًا من قانون العقوبات قد نصت على أن " كل تزوير أو استعمال يقع في محرر لإحدى الشركات المساهمة أو إحدى الجمعيات التعاونية أو النقابات المنشأة طبقًا للأوضاع المقررة قانونًا أو إحدى المؤسسات أو الجمعيات المعتبرة قانونًا ذات نفع عام تكون العقوبة السجن مدة لا تزيد على خمس سنين وتكون العقوبة السجن مدة لا تزيد على عشر سنين إذا وقع التزوير أو الاستعمال في محرر لإحدى الشركات أو الجمعيات المنصوص عليها في الفقرة السابقة أو لأية مؤسسة أو منظمة أو منشأة أخرى إذا كانت للدولة أو لإحدى الهيئات العامة نصيب في مالها بأية صفة كانت " وكان البيّن من هذا النص أن كل تزوير يقع في المحررات الصادرة من إحدى الجهات آنفة البيان أيًا كانت عقوبته السجن وهي عقوبة مقررة للجناية بحسب التعريف الوارد في المادة العاشرة من قانون العقوبات، ومن ثم فإن الجريمة في كل الأحوال جناية لا جنحة ويكون النعي على الحكم في هذا الصدد غير سديد. لما كان ذلك، وكان من المقرر أنه لا يلزم في التزوير المعاقب عليه أن يكون متقنًا بحيث يلزم لكشفه دراية خاصة بل يستوي أن يكون واضحًا لا يستلزم جهدًا في كشفه أو متقنًا يتعذر على الغير أن يكشفه ما دام أن تغيير الحقيقة في الحالين يجوز أن ينخدع به بعض الناس، وكان ببين من مدونات الحكم المطعون فيه أن تغيير الحقيقة بشهادات الضمان المنسوب صدورها من شركة ........ للصناعات الهندسية المزورة عليها يجوز أن ينخدع به بعض الناس، فإن ما يثيره الطاعنان في هذا الشأن غير سديد. لما كان ذلك، وكان ما يثيره الطاعنان من عدم وجود مصلحة لهما في الاشتراك في التزوير إنما يتصل بالباعث على ارتكاب الجريمة وهو ليس من أركانها أو عناصرها، ومن ثم فإن النعي على الحكم في هذا الصدد يكون ولا محل له. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن وزن أقوال الشاهد وتقدير الظروف التي يؤدي فيها شهادته متروكًا لتقدير محكمة الموضوع بغير معقبٍ، ولها أن تأخذ بأقوال الشاهد ولو كانت بينه وبين المتهم خصومة قائمة ما دامت قد أفصحت عن اطمئنانها إلى شهادته وأنها كانت على بينة بالظروف التي أحالت بها ذلك أن تقدير قوة الدليل من سلطة محكمة الموضوع، فإن ما يثيره الطاعنان في شأن القوة التدليلية لأقوال الشاهد السادس لا يعدو أن يكون جدلًا موضوعيًا في سلطة محكمة الموضوع في تقدير الأدلة القائمة في الدعوى وهو ما لا يجوز إثارته أمام محكمة النقص. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن للمحكمة أن تستغني عن سماع شهود الإثبات إذا قبل المتهم أو المدافع عنه ذلك صراحة أو ضمنًا دون أن يحول عدم سماعهم أمامها من أن تعتمد في حكمها على أقوالهم التي أدلوا بها في التحقيقات ما دامت هذه الأقوال مطروحة على بساط البحث، وكان الثابت من مطالعة محضر جلسة المحاكمة أن النيابة العامة والدفاع اكتفيا بتلاوة أقوال شهود الإثبات الواردة بالتحقيقات، وترافع الدفاع عن الطاعنين في موضوع الدعوى وانتهى إلى طلب البراءة، فليس لهما من بعد النعي على المحكمة قعودها عن سماع شهود الإثبات، ومن ثم فإن دعوى الإخلال بحق الدفاع تكون منتفية. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن لمحكمة الموضوع أن تعول في تكوين عقيدتها على ما جاء بتحريات الشرطة باعتبارها قرينة معززة لما ساقته من أدلة ما دامت تلك التحريات قد عرضت على بساط البحث، ولا يعيب تلك التحريات ألا يفصح مأمور الضبط القضائي عن مصدرها أو عن وسيلته في التحري ما دام أنه اقتنع شخصيًا بصحة ما نقلوه إليه وبصدق ما تلقاه من معلومات دون تحديد فترة زمنية لإجراء تلك التحريات، ولما كان الحكم قد كشف عن اطمئنانه إلى أقوال الضابط شاهد الإثبات السابع التي استقاها من تحرياته على النحو الذي شهد به وسطره الحكم في مدوناته، فإن ما يثيره الطاعنان في هذا الخصوص لا يعدو أن يكون جدلًا في واقعة الدعوى وتقدير أدلتها مما تستقل به محكمة الموضوع. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن التناقض الذي يعيب الحكم هو ما يقع بين أسبابه بحيث ينفي بعضه ما أثبته البعض الآخر ولا يعرف أي الأمرين قصدته المحكمة، وإذ كان ما خلص إليه الحكم المطعون فيه من إدانة الطاعنين بجرائم الاشتراك في تزوير محررات وتقليد أختام إحدى الشركات المساهمة واستعمالها والنصب لا يتعارض البتة مع قضاء المحكمة ببراءة متهم آخر من ذات التهم في الدعوى ذلك لأنه من المقرر أن تقدير الأدلة بالنسبة إلى كل متهم هو من اختصاص محكمة الموضوع وحدها وهي حرة في تكوين عقيدتها حسب تقديرها واطمئنانها إليها بالنسبة إلى متهمٍ وعدم اطمئنانها إلى ذات الأدلة بالنسبة لمتهمٍ آخر، كما أن من حق محكمة الموضوع أن تجزئ تحريات الشرطة فتأخذ منها ما تطمئن إليه مما تراه مطابقًا للحقيقة وتطرح ما عداه إذ مرجع الأمر في هذا الشأن إلى اقتناعها هي وحدها، ومن ثم فلا تثريب على الحكم المطعون فيه إن كان قد عول على شق من أقوال شاهد الإثبات السابع القائم بالتحريات وهو ما يتعلق بمقارفة الطاعنين والمحكوم عليه الرابع للجرائم التي دانهم بها ولم يعبأ بقالته في حق المتهم الآخر التي قضى ببراءته منها، ومن ثم يضحى النعي على الحكم في هذا الصدد لا يخرج عن كونه جدلًا موضوعيًا في تقدير الدليل وفي سلطة محكمة الموضوع في وزن عناصر الدعوى واستنباط معتقدها وهو ما لا يجوز إثارته أو الخوض فيه أمام محكمة النقض. لما كان ذلك، وكان اصطناع المحررات وتزوير بياناتها بيد شخص آخر لا يؤثر في مسئولية الطاعنين عن جريمة التزوير التي دانهما الحكم عنها بصفتهما شريكين فيها وليس فاعلين أصليين لها، ومن ثم فلا يجديهما نفي تحريرهما لتلك البيانات أو ختمهما للمحررات المصطنعة. لما كان ذلك، وكانت أدوات ارتكاب الجريمة ليست من أركان الجريمة الجوهرية، فإن عدم ضبطها لا يؤثر في قيام الجريمة ولا ينال من أدلتها القائمة في الدعوى، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعنان من عدم ضبط أدوات التزوير يكون غير مقبول. لما كان ذلك، وكانت محكمة الموضوع قد أقامت قضاءها على ما اقتنعت به من أدلة ترتد إلى أصلٍ صحيح في الأوراق واستخلصت في منطقٍ سائغٍ صحة إسناد التهمة إلى الطاعنين، وكان قضاؤها في هذا الشأن مبنيًا على عقيدة استقرت في وجدانها عن جزم ويقين ولم يكن حكمها مؤسسًا على الفرض والاحتمال حسبما يذهب إليه الطاعنان، فإن منعاهما على الحكم في هذا الخصوص لا يخرج عن كونه جدلًا موضوعيًا لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض. لما كان ذلك، وكان دفع الطاعنين بانتفاء صلتهما بالواقعة من أوجه الدفاع الموضوعية التي لا تستأهل ردًا طالما كان الرد مستفادًا من أدلة الثبوت التي اطمأنت إليها المحكمة وأوردتها حكمها، فإن النعي على الحكم في هذا الخصوص لا يكون مقبولًا. لما كان ما تقدم، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعينًا رفضه موضوعًا.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة: بقبول الطعن شكلًا وفي الموضوع برفضه.

