حكم " تسبيبه . تسبيب غير معيب " .
الموجز
نص الحكم
باسم الشعب
محكمة النقـــض
الدائــرة الجنائيـــة
دائرة الأحد ( د )
-----
المؤلفة برئاسة السيد القاضـــــــي/ محمود عبد الحفيــظ نائب رئيس المحكمـة
وعضويــــــة الســــادة القضـــــــــــــاة/ عزمــــــــي الشافعـــــــي و وائـــــــــــــــــل صبحــــــــــي
محمد عبد الحليم طلبه و محمد عبد العليم مهران
نواب رئيس المحكمة
وحضور رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض السيد/ شريف عبد الحكيم.
وأمين السر السيد/ مينا نبيل.
في الجلسة العلنية المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة.
في يوم الأحد 27 من ذو القعدة سنة 1446 هـ الموافق 25 من مايو سنة 2025م.
أصدرت الحكم الآتي:
في الطعن المقيد بجدول المحكمة برقم 8497 لسنة 94 القضائية.
المرفوع من:
1- ....
2- .... " محكوم عليهما – طاعنان "
ضـــــد
النيابــــة العامــــة " مطعون ضدها "
الوقائــع
اتهمت النيابة العامة الطاعنين في قضية الجناية رقم .... لسنة ....- .... (المقيدة بالجدول الكلي.... لسنة .... شمال ....) بأنهما في 8 أغسطس سنة 2022 - بدائرة مركز .... - محافظة .... :
1- ضربا عمدًا المجني عليه/ .... مع سبق الإصرار والترصد، بأن بيتا النية وعقدا العزم على ضربه وأعدًا لهذا الغرض أداة (شرشرة) إحراز كل منهما وما إن شاهداه حتى كبله الثاني وانهال عليه الأول بالضرب فأحدثا به الإصابات الموصوفة بتقرير مصلحة الطب الشرعي وتخلف لديه من جراء تعديهما عاهة مستديمة يستحيل برؤها باليد اليسرى، وذلك على النحو المبين بالتحقيقات.
2- حازا وأحرزا أداة (شرشرة) دون مسوغ قانوني.
وأحالتهما إلى محكمة جنايات .... لمعاقبتهما طبقا للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة.
وادعى المجني عليه مدنيًا بمبلغ أربعين ألف جنيه على سبيل التعويض المدني المؤقت.
والمحكمة المذكورة قضت حضوريًا في ٨ يناير سنة ٢٠٢٤ عملًا بالمادة ٢٤٠/1 من قانون العقوبات والمادتين ۱/۱، 25 مكررًا/1 من القانون ٣٩٤ لسنة ١٩٥٤ المعدل بالقانونين رقمي ١٦٥ لسنة ۱۹۸۱، 5 لسنة ۲۰۱۹ والبند رقم (۷) من الجدول رقم (۱) الملحق بالقانون الأول والمعدل بقرار وزير الداخلية رقم ١٧٥٦ لسنة ۲۰۰۷، مع إعمال المادتين ۱۷، ۳۲ من قانون العقوبات بمعاقبة كل منهما بالحبس مع الشغل لمدة سنة واحدة عما أسند إليهما وألزمتهما بالمصاريف الجنائية وأمرت بإحالة الدعوى المدنية للمحكمة المدنية المختصة بلا مصاريف، وذلك بعد أن استبعدت ظرفي سبق الإصرار والترصد.
فطعن المحكوم عليهما بشخصهما في هذا الحكم بطريق النقض في ٢٨ يناير سنة ۲۰۲٤.
وفي ٢٦ فبراير سنة ۲۰۲٤ أودعت مذكرة بأسباب الطعن بالنقض موقعة من الأستاذين/ ....، .... المحاميين والمقبولين للمرافعة أمام محكمة النقض.
وبجلسة اليوم نظرت المحكمة الطعن حيث سُمعت المرافعة كما هو مبين بمحضر الجلسة.
المحكمــة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر، والمرافعة، والمداولة قانونًا:
وحيث إن الطعن قد استوفى الشكل المقرر في القانون.
ومن حيث إن الطاعنين ينعيان على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانهما بجريمتي إحداث عاهة مستديمة، وحيازة وإحراز أداة مما تستخدم في الاعتداء على الأشخاص بغير مسوغ قانوني أو مبرر من الضرورة المهنية أو الحرفية قد شابه القصور في التسبيب، والفساد في الاستدلال، والإخلال بحق الدفاع، ومخالفة الثابت بالأوراق؛ ذلك أنه لم يورد الأدلة التي عول عليها في قضائه بالإدانة في بيانٍ كافٍ، ولم يعن باستظهار أركان الجريمة رغم دفاعهما بانتفائها، ولم يستظهر توافر رابطة السببية بين فعل الضرب والعاهة رغم تراخي المجني عليه في العلاج، واكتفى ببيان الإصابات الموصوفة بالتقريرين الطبيين الشرعي والابتدائي دون أن يبين أي منهما تاريخ إصابة المجني عليه، فضلًا عن خلوه من بيان اطلاعه على ماهية التصوير الذي ضمنته النيابة العامة بمذكرتها المرسلة للطب الشرعي ومدى اتفاقها مع سائر الأدلة التي استند إليها الحكم في إدانة الطاعنين، ولم يبين عناصر الاشتراك وطريقته والأدلة الدالة عليه أو يدلل على الاتفاق بين الطاعنين على ارتكاب الواقعة لا سيما وأن الأوراق قد خلت من دور للطاعن الثاني في إحداث إصابة المجني عليه، كما أورد بمدوناته أن الواقعة يجوز حدوثها وفق التصوير الوارد بالأوراق على خلاف ما ورد بتقرير الطب الشرعي الذي لم يجزم بحدوث الواقعة وفق التصوير الوارد بالأوراق وإنما جاء وفق التصوير الوارد بمذكرة النيابة بما لازمه وجوب إطلاع المحكمة على مذكرة النيابة للوقوف على مدى تطابق تصوير النيابة العامة للواقعة، كما أورد أقوال المجني عليه بما يخالف الثابت بها بالتحقيقات والتي لم تشر إلي قيام الطاعن الثاني بتكبيله حال إصابته وأن تدخله في الواقعة وتشابكه معه كان بعد حدوث إصابته من جراء تعدي الطاعن الأول عليه وليس قبلها وهو ما أدى إلى تحريف لمضمون أقواله، بما ينم على اختلال فكرة الحكم عن عناصر الدعوى وعدم استقرارها في ذهن المحكمة، وتشييد قضائه على الظنون والافتراضات، واطرح الحكم دفع الطاعن الثاني بتناقض الدليلين القولي والفني بما لا يسوغ به اطراحه ودون أن يعن برفع ذلك التناقض وتحقيق دفاعه الجوهري في هذا الشأن وفقًا لما أثبته بمحضر جلسة المحاكمة، كما استند في قضائه إلى تحريات المباحث وأقوال مجريها رغم عدم جديتها وكونها لا تصلح دليلًا في إدانتهما لعدم بيان مصدرها ولتناقضها مع أقوال المجني عليه التي عول عليها، ورغم عدم وجود شاهد أخر بالأوراق يؤيدها وقت حدوث الواقعة، وأخيرًا لم تقم المحكمة بإثبات ما قدمه الطاعن الثاني من مذكرة دفاع بمحضر جلسة المحاكمة رغم ثبوت تقديمها بالجلسة، وهو ما يتمسك معه المدافع عنه بالطعن بالتزوير على محضر جلسة المحاكمة الختامية، والتصريح له – من هذه المحكمة – بضم المفردات بشأن تلك الجناية محل الطعن الراهن لا سيما وأن تلك المذكرة قد تضمنت أوجه دفاعه بشأن انتفاء أركان الجريمة ومخالفة أمر الإحالة لأقوال المجني عليه وتأويلها على غير مدلولها، فضلًا عن التفات الحكم عن دفاعه بشأن عدم التواجد على مسرح الجريمة وما قرر به المجني عليه بالتحقيقات بشأنه بما ينفي الاتهام عنه؛ مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.
ومن حيث إنَّ الحكم المطعون فيه بيَّن واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجريمتين اللتين دان الطاعنين بهما وأورد على ثبوتهما في حقهما أدلة استقاها من أقوال شاهدي الإثبات وما ثبت من تقرير الطب الشرعي، وهى أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه عليها، وجاء استعراض المحكمة لأدلة الدعوى على نحو يدل على أنها محصتها التمحيص الكافي وألمت بها إلمامًا شاملًا يفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة، وكان من المقرر أن القانون لم يرسم شكلًا أو نمطًا يصوغ فيه الحكم بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها ومتى كان مجموع ما أورده الحكم كافيًا في تفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة - كما هو الحال في الدعوى الراهنة - فإن ذلك يكون محققًا لحكم القانون، ومن ثم فإن منعى الطاعنين في هذا الشأن يكون لا محل له. لما كان ذلك، وكان الحكم قد أورد بمدوناته حدوث مشادة كلامية بين الطاعنين و المجني عليه تطورت إلى مشاجرة بينهم وقيام الطاعن الثاني بالإمساك به من يده وتكبيله وشل حركته فمكن بذلك الطاعن الأول من ضربه بأداة – شرشرة – استقرت على يده اليسرى، وهو ما يوفر في حق الطاعنين ارتكابهما فعلًا عمديًا ارتبط بتخلف عاهة مستديمة للمجني عليه، وهي كما جاءت بتقرير الطب الشرعي تتمثل في إعاقة في حركة ثني المفاصل المشط السلامية لإصبعي الخنصر والبنصر وتقدر نسبتها بنحو 10% ارتباط السبب بالمسبب؛ لأنه لولا تكبيل المجني عليه وشل حركته لما تمكن الطاعن الأول من ضربه بالأداة ولما حدثت تلك الإصابة، وكان إثبات علاقة السببية في المواد الجنائية مسألة موضوعية ينفرد بتقديرها قاضي الموضوع كما هو الحال في الدعوى المطروحة، وكانت جريمة إحداث الجرح عمدًا لا تتطلب غير القصد الجنائي العام وهو يتوفر كلما ارتكب الجاني الفعل عن إرادة وعن علم بأن هذا الفعل يترتب عليه المساس بسلامة جسم المجني عليه أو صحته كما أوردها الحكم وهو ما تحقق بواقعة الدعوى، فإن ما يثيره الطاعنين بشأن التدليل على توافر الركنين المادي والمعنوي لجريمة الجرح الذي نشأ عنه عاهة مستديمة كما هو معرف بها في الفقرة الأولى من المادة ٢٤٠ من قانون العقوبات لا يعدو أن يكون جدلًا موضوعيًا لا يقبل أمام محكمة النقض هذا فضلًا عن أنه لا مصلحة للطاعنين في النعي على الحكم ما دامت العقوبة المقضي بها تدخل في حدود عقوبة الضرب البسيط الذي لم يتخلف عنه عاهة مستديمة. لما كان ذلك، وكان الحكم قد أورد فحوى ما تضمنه تقرير الطب الشرعي الموقع على المجني عليه وبيَّن الإصابات التي لحقت به ووصفها وأنه قد تخلف من جرائها لديه عاهة مستديمة ونسبتها وسببها، فإن هذا حسبه كيما يتم تدليله ويستقيم قضاؤه، ولا ينال من سلامة الحكم عدم إيراده نص تقرير الخبير بكامل أجزائه. لما كان ذلك، وكانت المحكمة غير مطالبة ببيان مؤدى مذكرة النيابة العامة المرسلة إلى مصلحة الطب الشرعي إلا إذا كانت قد استندت إليها في حكمها بالإدانة، أما إذا كانت لم تعتمد على شيء من تلك المذكرة فإنها لا تكون مكلفة بأن تذكر عنها شيئًا، ومن ثم فإن عدم إيراد المحكمة لمؤدى مذكرة النيابة العامة المشار إليها لا يعيب حكمها ما دامت قد أفصحت في مدونات حكمها عن كفاية الأدلة التي أوردتها لحمل قضائها بالإدانة، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعنين في هذا الخصوص لا يكون له محل. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن لمحكمة الموضوع كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتقرير الخبير المقدم إليها وما دامت قد اطمأنت إلى ما جاء به فلا يجوز مصادرتها في ذلك، ولا يؤثر في ذلك ما يثيره الطاعنين من أن الحكم عول على تقرير الطب الشرعي للمجني عليه رغم أنه لم يجزم بحدوث الواقعة وفق التصوير الوارد بالأوراق؛ لما هو مقرر أن لمحكمة الموضوع سلطة الجزم بما لم يجزم به الخبير في تقريره، فإن النعي على الحكم في هذا الخصوص يكون غير مقبول. لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه لم يعول على ما أثبته التقرير الطبي الابتدائي، بل اعتمد أساسًا على ما تضمنه تقرير الطب الشرعي، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعنان بشأن التقرير الطبي الابتدائي يكون على غير أساس. لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه لم يدن أي من الطاعنين كشريك، وإنما دانهما كفاعل أصلي في الجريمتين اللتين دينا بها، فإن نعيهما بعدم توافر عناصر الاشتراك لا يكون مقبولًا، لعدم تعلقه بالحكم المطعون فيه، أو اتصاله به. لما كان ذلك وكان من المقرر أن الجاني يسأل بصفته فاعلًا في جريمة الضرب المفضي إلى عاهة مستديمة إذا كان هو الذي أحدث الضربة أو الضربات التي نشأ عنها العاهة أو ساهمت في ذلك أو يكون هو قد اتفق مع غيره على ضرب المجني عليه ثم باشر معه الضرب تنفيذا للغرض الإجرامي الذي اتفق معه عليه ولو لم يكن هو محدث الضربة أو الضربات التي سببت العاهة، بل كان غيره ممن اتفق معهم هو الذي أحدثها، وكان من المقرر أن الاتفاق هو اتحاد نية أطرافه على ارتكاب الفعل المتفق عليه، وهذه النية أمر داخلي لا يقع تحت الحواس ولا يظهر بعلامات خارجية فمن حق القاضي أن يستدل عليه بطريق الاستنتاج والقرائن التي تتوافر لديه، لما كان ذلك وكان ما أورده الحكم كاف بذاته للتدليل على اتفاق المتهمين على الضرب من معيّتهما في الزمان والمكان، ونوع الصلة بينهما وصدور الجريمة عن باعث واحد واتجاههما وجهة واحدة في تنفيذها وأن كلًا منهما قصد قصْد الأخر في إيقاعها بالإضافة إلى وحدة الحق المعتدى عليه، ويصح من ثم طبقا للمادة 39 من قانون العقوبات اعتبارهما فاعلين أصليين في جناية الضرب الذي نشأ عنه عاهة مستديمة ويرتب بينهما في صحيح القانون تضامنًا في المسئولية الجنائية عُرف محدث الضربات التي ساهمت في إحداث العاهة أو لم يعرف، فإن منعى الطاعنين في هذا الشأن لا يكون له محل. هذا فضلًا عن انعدام مصلحة الطاعن الثاني من نفي مسئوليته عن إصابة المجني عليه التي نشأ عنها عاهة ما دامت العقوبة المقضي بها عليه وهي الحبس لمدة سنة مع الشغل تدخل في نطاق العقوبة المقررة لجنحة الضرب باستعمال أداة المنطبقة عليها الفقرة الثالثة من المادة 242 من قانون العقوبات، ولا يغير من ذلك كون المحكمة قد عاملته بالمادة 17 من هذا القانون ذلك أن المحكمة إنما قدرت مبررات الرأفة بالنسبة للواقعة الجنائية ذاتها بغض النظر عن وصفها القانوني، ولو أنها كانت قد رأت أن الواقعة - في الظروف التي وقعت فيها - تقتضي النزول بالعقوبة إلى أكثر مما نزلت إليه لما منعها من ذلك الوصف الذي وصفتها به. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن الخطأ في الإسناد لا يعيب الحكم ما لم يتناول من الأدلة ما يؤثر في عقيدة المحكمة، وكان البين من الحكم المطعون فيه أن ما ينعاه عليه الطاعن الثاني من خطئه في الإسناد فيما أورده في مجال تحصيله لتقرير الطب الشرعي، ولأقوال المجني عليه بشأن دوره في الواقعة - على النحو الذي أشار إليه في أسباب طعنه - وعلى فرض وجوده لم يكن له أثر في منطق الحكم واستدلاله على ارتكاب الطاعنان للجريمة، فإن ما يثيره الطاعن الثاني في هذا النعي لا يكون مقبولًا. ولا يغير من الأمر أن الطاعن الثاني أراد لتلك الأقوال غير المعنى الذي استخلصه الحكم، ذلك بأنه من المقرر أن من حق محكمة الموضوع أن تُحصِّل أقوال الشهود وأن تفهم سياقها وتستشف مراميها ما دامت فيما تُحصِّله لا تُحرف الشهادة عن موضعها كما هو الحال في الدعوى المطروحة، ومن ثم فإن ما ينعاه الطاعن الثاني في هذا الصدد غير سديد. لما كان ذلك، وكانت مدونات الحكم المطعون فيه تنبئ عن أن المحكمة ألمت بواقعة الدعوى وأحاطت بها وبالاتهام المسند إلى الطاعنين ودانتهما بالأدلة السائغة التي أخذت بها وهي على بينة من أمرها، فإن مجادلتها في ذلك بدعوى عدم استقرار صورة الواقعة في ذهن المحكمة واضطرابها تنطوي على منازعة موضوعية فيما تستقل به محكمة الموضوع بغير معقب. لما كان ذلك، وكانت محكمة الموضوع قد أقامت قضاءها على ما اقتنعت به من أدلة ترتد إلى أصلٍ صحيحٍ في الأوراق واستخلصت في منطقٍ سائغٍ صحة إسناد التهم إلى الطاعنين وكان قضاؤها في هذا الشأن مبنيًا على عقيدة استقرت في وجدانها عن جزم ويقين، ولم يكن حكمها مؤسسا على الفرض والاحتمال حسبما يذهب إليه الطاعنين، فإن ما يثيراه في هذا الخصوص لا يخرج عن كونه جدلًا موضوعيًا لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض. لما كان ذلك، وكان من المقرر أنه ليس بلازم أن تطابق أقوال الشهود مضمون الدليل الفني، بل يكفى أن يكون جماع الدليل القولي غير متناقض مع جوهر الدليل الفني تناقضًا يستعصي على الملاءمة والتوفيق، وكان الدليل المستمد من أقوال المجني عليه التي أخذت به محكمة الموضوع واطمأنت إليه غير متعارض والدليل المستمد من التقرير الطبي الشرعي، فإن ما ينعاه الطاعن الثاني في هذا الخصوص يكون على غير أساس. لما كان ذلك، وكان الثابت من الاطلاع على محاضر جلسات المحاكمة أن الطاعن الثاني لم يطلب سائر طلبات التحقيق التي أشار إليها في أسباب طعنه، فليس له من بعد أن ينعى على المحكمة قعودها عن إجراء تحقيق لم يطلبه منها. لما كان ذلك، وكان للمحكمة أن تعول في تكوين عقيدتها على ما جاء بتحريات الشرطة باعتبارها معززة لما ساقته من أدلة ما دامت تلك التحريات قد عرضت على بساط البحث، ولا يعيبها ألا يفصح مأمور الضبط القضائي عن مصدرها أو عن وسيلته في التحري، وكان التناقض بين تحريات المباحث وما شهد به المجني عليه - بفرض حصوله - لا يعيب الحكم ما دام قد استخلص الإدانة منهما استخلاصًا سائغًا لا تناقض فيه، وكان الحكم المطعون فيه قد عرض للدفع بعدم جدية التحريات وأقوال مجريها واطرحه باطمئنان المحكمة لما جاء بتلك التحريات وأقوال مجريها بالتحقيقات وجديتها وكفايتها للأسباب السائغة التي أوردها، فإن ما يثيره الطاعنان بشأن عدم جدية التحريات وأقوال مجريها وتناقضها مع ما شهد به المجني عليه بالتحقيقات لا يعدو أن يكون جدلًا موضوعيًا حول سلطة المحكمة في وزن أدلة الدعوى واستنباط معتقدها منها مما لا تقبل إثارته أمام محكمة النقض. لمَّا كان ذلك، وكان القانون لا يشترط لثبوت جريمة الضرب الذي نشأ عنه عاهة مستديمة ومُعَاقبة مُرتكبها وجود شهود رؤية، بل للمحكمة أن تكوّن عقيدتها بالإدانة في تلك الجريمة من كُل ما تَطمئن إليه من ظروف الدعوى وقرائنها، فإن ما يثيره الطاعنان في هذا الصَدد يكون غير سديد. لما كان ذلك، وكان ما يثيره الطاعن الثاني من خلو محضر جلسة المحاكمة من إثبات تقديمه مذكرة بدفاعه، فإنه لما كان الطاعن لا يدعي أن المحكمة قد منعت الدفاع عنه من مباشرة حقه، وكان من المقرر أنه لا يعيب الحكم خلو محضر الجلسة من إثبات دفاع الخصم كاملًا إذ كان عليه إن كان يهمه تدوينه أن يطلب صراحة إثباته في المحضر، كما أن عليه إن ادعى أن المحكمة صادرت حقه في الدفاع قبل قفل باب المرافعة وحجز الدعوى للحكم أن يقدم الدليل على ذلك، وأن يسجل عليها هذه المخالفة في طلب مكتوب قبل صدور الحكم، وكان البين من محضر جلسة المرافعة أنها جاءت خلوًا مما يدعيه الطاعن الثاني من مصادرة حقه في الدفاع، بل إن الثابت أن المحكمة مكنت الدفاع عنه من إبداء دفاعه كاملًا بما لا يوفر الإخلال بحق الدفاع، ويكون هذا الزعم غير سديد، هذا فضلًا عن أنه لما كان الأصل طبقًا للمادة ٣٠ من القانون رقم ٥٧ لسنة ۱۹٥٩ في شأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض أن الإجراءات قد روعيت فلا يجوز للطاعن الثاني أن يدحض ما ثبت منها بمحضر الجلسة إلا بالطعن بالتزوير وهو ما لم يفعله، فإنه لا يقبل منه ما يثيره في شأن عدم إثبات المحكمة لمذكرة بدفاعه بمحضر الجلسة، ومن ثم فإن النعي على الحكم في هذا الصدد لا يكون له محل. لما كان ذلك، وكان الادعاء بحصول تزوير في محضر جلسة المحاكمة هو من المسائل الموضوعية التي تحتاج إلى تحقيق فلا يجوز إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن الثاني في هذا الصدد يكون غير سديد. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن محكمة النقض ليس من شأنها بحث الوقائع، ولا يقبل أمامها طلب جديد لم يسبق عرضه على المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه، لأن الفصل في مثل هذا الطلب أو الدفع يستدعي تحقيقًا في الوقائع، وهو ما يخرج بطبيعته عن سلطة محكمة النقض ومن ثم يكون طلب الطاعن الثاني من هذه المحكمة - محكمة النقض - بضم المفردات بشأن تلك الجناية محل الطعن الراهن أو التصريح باستخراج صورة رسمية من المذكرة المقدمة منه لا محل له. لما كان ذلك، وكان الدفع بانتفاء أركان الجريمة وعدم وجود الطاعن الثاني على مسرح الجريمة أو تحديد دوره فيها من الدفوع الموضوعية التي لا تستلزم بحسب الأصل ردًا صريحًا من المحكمة ما دام الرد عليها مستفادًا من القضاء بالإدانة استنادًا إلى أدلة الثبوت التي أوردها الحكم، فإن ما يثيره الطاعن من دعوى الأخلال بحق الدفاع لا يكون له محل. لما كان ذلك، وكان البين من محضر جلسة المحاكمة أن أيًا من الطاعن الثاني أو المدافع عنه لم يثر شيئًا عن تعييب أمر الإحالة وكان هذا الأمر إجراءً سابقًا على المحاكمة، فإنه لا يقبل إثارة بطلانه لأول مرة أمام محكمة النقض. لما كان ما تقدم فإن الطعن يكون على غير أساس متعينًا رفضه موضوعًا.
فلهــذه الأسبــاب
حكمت المحكمة : بقبول الطعن شكلًا وفي الموضوع برفضه.

