محكمة الموضوع " سلطتها في تقدير الدليل " .
الموجز
نص الحكم
باسم الشعب
محكمــــــــــة النقــــــــــض
الدائرة الجنائية
الثلاثاء( هــ )
ــــــــــ
المؤلفة برئاسة السيد المستشار / عبــــد الــرســـول طنطــــــاوي نـــائـــب رئيـــس المحـكمــــــة
وعضوية السادة المستشاريـــــــــن / هاشـــــــــــــــم النــــــــــــــوبــــــــي محمـــــــــــــد علي طنطــــــــــاوي
وائل صلاح الدين الأيوبي إبراهـــــــــــــيم الخـــــــــــــولـــــــــي
" نــــواب رئيــــــس المحــكــمــــة "
وحضور رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض السيد / محمد نايل .
وأمين السر السيد/ محمد دندر .
في الجلسة العلنية المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة .
في يوم الثلاثاء 26 من شعبان سنة 1446 هـــــ الموافق 25 من فبراير سنة 2025 م.
أصـــــدرت الحكم الآتــــــــــي:
في الطعن المقيد بجدول المحكمة برقم 3920 لسنة 94 القضائية .
المرفوع مـــــن:
............................ " محكوم عليه "
ضــــــــــد
النيــــــــــــــــــــــــــــابـــة العــــــــــــــــــــــامة .
الوقائــــــــــــــــــــع
اتهمت النيابة العامة الطاعن في القضية رقم ......... لسنة ......... جنايات مركز ............ والمقيدة برقم ......... لسنة ......... كلي ............. بأنه في يوم 7 من سبتمبر سنة 2023 بدائرة مركز ............ - محافظة .............
- أحرز بقصد الاتجار جوهراً مخدراً (حشيش) في غير الأحوال المصرح بها قانوناً .
وأحالته إلى محكمة جنايات ............ لمعاقبته طبقاً للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة .
والمحكمة المذكورة قضت حضورياً بجلسة 24 ديسمبر سنة 2023 عملاً بالمواد 1 ، 2 ، 38/1 ، 42/1 من القانون رقم 182 لسنة 1960 المعدل بالقانون رقم 122 لسنة 1989 والبند رقم (56) من القسم الثاني من الجدول رقم (1) الملحق بالقانون الأول ، بمعاقبة / ........................... بالسجن المشدد ثلاث سنوات وتغريمه مبلغ خمسون ألف جنيه وألزمته المصاريف الجنائية وبمصادرة المواد المخدرة المضبوطة ، باعتبار إحرازه للمخدر بغير قصد من القصود المسماة قانوناً .
فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض في 28 من ديسمبر سنة 2023.
وأودعت مذكرة بأسباب طعنه في 19 من فبراير سنة 2024 موقع عليها من الأستاذ/ ................... المحامي .
وبجلسة اليوم سُمعت المرافعة على ما هو مبين بمحاضرها .
المحكمـــــــــــــــة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد المستشار المقرر ، والمرافعة ، والمداولة قانوناً:
حيث إن الطعن قد استوفى الشكل المقرر في القانون .
حيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجريمة إحراز جوهر الحشيش المخدر بغير قصد من القصود المسماة في القانون ، قد شابه القصور والتناقض في التسبيب والفساد في الاستدلال والإخلال بحق الدفاع والخطأ في الإسناد وفي تطبيق القانون ، ذلك بأنه جاء قاصراً في التسبيب وصيغ في عبارات معماة ، واطرح بما لا يسوغ دفعه ببطلان إذن التفتيش لابتنائه على تحريات افترضت جديتها لكونها مجرد معلومات لا ترقى إلى مرتبة التحريات ولشواهد أخرى عددها ، سيما وأنه استبعد قصد الاتجار بما ينال من التحريات ، وببطلان القبض والتفتيش لحصولهما قبل صدور الإذن بهما بدلالة التلاحق الزمني السريع وأقوال الطاعن بالتحقيقات والتي التفتت عنها المحكمة ، بما يبطل معه الإجراء الباطل والدليل المستمد منه وشهادة القائم بالضبط ، ورد بما لا يصلح رداً على طعنه بالتزوير على توقيع ضابط الواقعة على محضر الضبط لتطابقه مع توقيع ضابط آخر ، واعتنق صورة للواقعة مستنداً لأقوال ضابط الواقعة المرسلة رغم انفراده بالشهادة وحجبه أفراد القوة المرافقة له ، وعدم تحديد موضع ضبط المخدر بين طيات ملابس الطاعن ، وعول في قضائه على أدلة لا تؤدي إلى ما انتهى إليه وخلا من دليل يقيني على ارتكابه الجريمة بدلالة عدم ضبط هاتف محمول مع الطاعن ، أو مضبوطات أو ممنوعات بمسكنه ، وعدم التوصل لمالك الدراجة البخارية ، مما ينبئ عن أن أمر الإحالة المقدم من النيابة العامة قد خالف ماديات الدعوى ، والتفتت المحكمة عن دفاعه القائم على انتفاء صلته بالمضبوطات وتلفيق وكيدية الاتهام وبتجهيل مكان الضبط ، وعن كافة دفوعه الجوهرية الأخرى ، ولم تقم بالتحقيق في شأن كل ما أثاره بأسباب طعنه ، ولم تعمل في حقه قاعدة أن الأصل في الانسان البراءة ، وأخيراً شاب الحكم الخطأ في الإسناد وفي تطبيق القانون ، كل ذلك مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه .
وحيث إن الحكم المطعون فيه بيّن واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجريمة التي دان الطاعن بها وأورد على ثبوتها في حقه أدلة مستمدة من أقوال شاهد الإثبات ضابط الواقعة ، وما ثبت من تقرير المعمل الكيماوي ، وهي أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه عليها ، وجاء استعراض المحكمة لأدلة الدعوى على نحو يدل على أنها محصتها التمحيص الكافي وألمت بها إلماماً شاملاً يفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة ، وكان من المقرر أن القانون لم يرسم شكلاً أو نمطاً يصوغ فيه الحكم بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها ، ومتى كان مجموع ما أورده الحكم كافياً في تفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة ، فإن ذلك يكون محققاً لحكم القانون ، ومن ثم فإن منعى الطاعن بأن الحكم قد شابه القصور وعدم الإلمام بوقائع الدعوى وأدلتها يكون ولا محل له . لما كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد عرض للدفع ببطلان إذن النيابة العامة المؤسس على عدم جدية التحريات واطرحه على نحو يتفق وصحيح القانون ؛ ذلك أنه من المقرر أن تقدير جدية التحريات وكفايتها لإصدار الإذن بالتفتيش هو من المسائل الموضوعية التي يوكل الأمر فيها إلى سلطة التحقيق تحت إشراف محكمة الموضوع ، فإذا كانت المحكمة قد اقتنعت بجدية الاستدلالات التي بني عليها إذن التفتيش وكفايتها لتسويغ إصداره - كما هو الشأن في الدعوى المطروحة - فإنه لا معقب عليها فيما ارتأته لتعلقه بالموضوع لا بالقانون ، وأن القانون لا يوجب حتماً أن يتولى رجل الضبط القضائي بنفسه مراقبة الأشخاص المتحرى عنهم ، أو أن يكون على معرفة سابقة بهم ، بل له أن يستعين فيما يجريه من تحريات أو أبحاث أو ما يتخذه من وسائل التنقيب بمعاونيه من رجال السلطة العامة والمرشدين السريين ومن يتولون إبلاغه عما وقع بالفعل من جرائم ما دام أنه اقتنع شخصياً بصحة ما نقلوه إليه وبصدق ما تلقاه من معلومات ، وكان عدم الإفصاح عن مصدر التحريات في محضر الاستدلالات وتجهيل مدة التحري وعدم بيان حالة الطاعن الاجتماعية وتحديد المقيمين معه وعدم التوصل لمصدر حصوله على المخدر وأسماء عملائه ونوع المخدر وثرواته وممتلكاته لا يقدح بذاته في جدية ما تضمنه من تحريات ، كما أن ما يثيره الطاعن من أن المحكمة استبعدت القصد الخاص ما ينال من التحريات بما لا يصلح معه دليلاً مردود بأن ذلك لا يعدو أن يكون جدلاً حول سلطة محكمة الموضوع في تقدير أدلة الدعوى وتجزئتها والأخذ بما تطمئن إليه منها واطراح ما عداه مما لا تجوز المجادلة فيه أمام محكمة النقض . هذا إلى أن البين من الاطلاع على محاضر جلسات المحاكمة أن الطاعن لم يدفع ببطلان إذن التفتيش لعدم جدية التحريات للأسس التي يتحدث عنها بأسباب طعنه ، وكان من المقرر أنه لا يصح إثارة أساس جديد للدفع ببطلان إذن التفتيش أمام محكمة النقض ما دام أنه في عداد الدفوع القانونية المختلطة بالواقع ما لم يكن قد أثير أمام محكمة الموضوع أو كانت مدونات الحكم ترشح لقيام ذلك البطلان ، فإنه لا يقبل منه إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض . لما كان ذلك ، وكانت محكمة الموضوع قد أقامت قضاءها على ما اقتنعت به من أدلة ترتد إلى أصل صحيح في الأوراق واستخلصت في منطق سائغ صحة إسناد التهمة إلى الطاعن ، وكان قضاؤها في هذا الشأن مبنياً على عقيدة استقرت في وجدانها عن جزم ويقين ولم يكن حكمها مؤسساً على الفرض والاحتمال حسبما يذهب إليه الطاعن ، فإن ما يثيره في هذا الخصوص لا يخرج عن كونه جدلاً موضوعياً لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض . لما كان ذلك ، وكان الحكم قد رد على الدفع ببطلان القبض والتفتيش لحصولهما قبل صدور الإذن بما أفصح عنه من اطمئنان المحكمة إلى أن القبض والتفتيش قد تما بعد صدور الإذن ، وهو من الحكم رد سائغ يستقيم به ما خلص إليه من رفض الدفع ، وذلك لما هو مقرر من أن الدفع بصدور الإذن بعد الضبط والتفتيش هو دفاع موضوعي يكفي للرد عليـه اطمئنان المحكمة إلى وقوع الضبط والتفتيش بناءً على الإذن أخذاً منها بالأدلة السائغة التي توردها – وهو الشأن في الدعوى المطروحة - ، وأنه من المقرر أن لرجل الضبط القضائي المنتدب لتنفيذ إذن النيابة بالتفتيش تخير الظرف المناسب لإجرائه بطريقة مثمرة وفى الوقت الذي يراه مناسباً ما دام ذلك يتم في خلال المدة المحددة بالإذن ؛ إذ إن ذلك متروك لتقديره ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن بقالة التلاحق الزمني للإجراءات التي قام بها الضابط يكون في غير محله . وأنه لا يقدح في سلامة الحكم إغفاله التحدث عن أقوال الطاعن بالتحقيقات ؛ لما هو مقرر من أن المحكمة غير ملزمة بالتحدث في حكمها إلا عن الأدلة ذات الأثر في تكوين عقيدتها ولا عليها إن هي التفتت عن أي دليل آخر لأن في عدم إيرادها له ما يفيد اطراحه وعدم التعويل عليه ، وكان اطمئنان المحكمة إلى حدوث الضبط والتفتيش في مكان وزمان معين هو من المسائل الموضوعية التي تستقل بالفصل فيها ، وكانت المحكمة غير ملزمة بأن تشير صراحة في حكمها إلى عدم أخذها بقالة الطاعن ما دام قضاؤها بالإدانة اطمئنانًا منها إلى صدق رواية شهود الإثبات يفيد دلالة اطراح أقواله ، فإن منعى الطاعن على الحكم في هذا الخصوص يكون لا محل له . لما كان ذلك ، وكان الأصل أن من يقوم بإجراء باطل لا تقبل منه الشهادة عليه ، ولا يكون ذلك إلَّا عند قيام البطلان وثبوته ، ومتى كان لا بطلان فيما قام به الضابط من القبض على الطاعن وتفتيشه - كما هو الحال في الدعوى الراهنة - فإنه لا تثريب على المحكمة إن هي عولت على أقواله وما أسفر عنه التفتيش من إحراز الطاعن للمخدر المضبوط ضمن ما عولت عليه في إدانته ، ويكون النعي على الحكم في هذا الصدد غير قويم . لما كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه لم يستند في الإدانة إلى دليل مستمد من محضر الضبط المدعى بتزوير توقيع ضابط الواقعة عليه وإنما أقام قضاءه على الدليل المستمد من أقوال شاهد الإثبات – ضابط الواقعة - ، وما ثبت من تقرير المعمل الكيماوي ، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد يضحى لا محل له . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن لمحكمة الموضوع أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة أمامها على بساط البحث الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدي إليه اقتناعها ، وأن تطرح ما يخالفها من صور أخرى ما دام استخلاصها سائغاً مستنداً إلى أدلة مقبولة في العقل والمنطق ولها أصلها في الأوراق ، وكان وزن أقوال الشهود وتقديرها مرجعه إلى محكمة الموضوع تنزله المنزلة التي تراها وتقدره التقدير الذي تطمئن إليه بغير معقب ، وأن اطمئنان المحكمة إلى حدوث التفتيش في مكان معين هو من المسائل الموضوعية التي تستقل بالفصل فيها ولا تجوز إثارتها أمام محكمة النقض ، وكانت المحكمة قد اطمأنت إلى أقوال شاهد الإثبات وصحة تصويره للواقعة ، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الشأن ومن منازعة في صورة الواقعة وضبطه في مكان وزمان يغايران ما قرره شاهد الإثبات ينحل إلى جدل موضوعي في تقدير الدليل وهو ما تستقل به محكمة الموضوع ولا يجوز مجادلتها أو مصادرة عقيدتها في شأنه أمام محكمة النقض . لما كان ذلك ، وكانت المحكمة قد اقتنعت بيقين جازم أن الطاعن هو صاحب المخدر المضبوط وأنه كان محرزاً له وأوردت على ثبوت الواقعة في حقه أدلة من شأنها أن تؤدي إلى ما انتهت إليه ، فإن عدم تحديد الضابط لمكان عثوره على المخدر في ملابس الطاعن لا يغير من تلك الحقيقة . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن العبرة في المحاكمة الجنائية هي باقتناع القاضي بناء على الأدلة المطروحة عليه ولا يصح مطالبته بالأخذ بدليل بعينه فيما عدا الأحوال التي قيده القانون فيها بذلك ، فقد جعل القانون من سلطته أن يزن قوة الإثبات وأن يأخذ من أي بينة أو قرينة يرتاح إليها دليلاً لحكمه ، ولا يلزم أن تكون الأدلة التي اعتمد عليها الحكم بحيث ينبئ كل دليل منها ويقطع في كل جزئية من جزئيات الدعوى ؛ إذ الأدلة في المواد الجنائية متساندة يكمل بعضها بعضاً ومنها مجتمعة تتكون عقيدة القاضي فلا ينظر إلى دليل بعينه لمناقشته على حده دون باقي الأدلة بل يكفي أن تكون الأدلة في مجموعها كوحدة مؤدية إلى ما قصده الحكم منها ومنتجة في اكتمال اقتناع المحكمة واطمئنانها إلى ما انتهت إليه ، كما لا يشترط في الدليل أن يكون صريحاً دالاً بنفسه على الواقعة المراد إثباتها بل يكفي أن يكون استخلاص ثبوتها عن طريق الاستنتاج مما تكشف للمحكمة من الظروف والقرائن وترتيب النتائج على المقدمات ، فإن ما يثيره الطاعن بشأن الأدلة التي عول عليها الحكم في إدانته لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً في العناصر التي استنبطت منها المحكمة معتقدها مما لا تقبل معاودة التصدي له أمام محكمة النقض . لما كان ذلك ، وكان البين من محضر جلسة المحاكمة أن المدافع عن الطاعن وإن دفع ببطلان أمر الإحالة لمخالفة ماديات الدعوى ، إلا أنه لم يبين أساس دفعه ومقصده ومرماه منه بل أطلقه في عبارة مرسلة لا تحمل على الدفع الصريح الذي يجب إبداؤه في عبارة صريحة تشتمل على بيان المراد منه ، ومن ثم فلا على المحكمة إن هي التفتت عن الرد عليه ويضحى ما يثيره الطاعن في هذا الخصوص غير سديد ، هذا فضلاً على أن قضاء محكمة النقض قد استقر على اعتبار الإحالة من مراحل التحقيق وأن محكمة الموضوع هي جهة التحقيق النهائي ويجوز للمتهم أن يطلب منها استكمال ما فات النيابة العامة من إجراءات تحقيق وإبداء دفاعه بشأنه أمامها وهو ما لم يفعله الطاعن ، ومن ثم فلا محل للقول بوجود ضرر يستدعي بطلان قرار الإحالة وإلا ترتب على البطلان إعادة الدعوى إلى جهة التحقيق بعد اتصالها بالمحكمة وهو غير جائز ، ويكون النعي على الحكم في هذا الصدد غير سديد . لما كان ذلك ، وكان البين من الاطلاع على محضر جلسة المحاكمة التي اختتمت بصدور الحكم المطعون فيه أن الطاعن اقتصر على القول بقصور تحقيقات النيابة ، وعدم التأكد من رقم التليفون المدعى ملكيته له ، وعدم معرفة صاحب الدراجة أو قائدها ودون أن يطلب إلى المحكمة اتخاذ إجراء معين في هذا الشأن ، فإن النعي على الحكم إغفال الرد على هذا الدفاع يكون غير قويم ، هذا فضلا عن أن ما أثاره الدفاع فيما سلف لا يعدو أن يكون تعييباً للتحقيق الذي جرى في المرحلة السابقة على المحاكمة لا يصح أن يكون سبباً للطعن على الحكم ، إذ من المقرر أن تعييب التحقيق الذي تجريه النيابة لا تأثير له على سلامة الحكم ، والأصل أن العبرة عند المحاكمة هي بالتحقيق الذي تجريه المحكمة بنفسها ، وما دام لم يطلب الدفاع إليها استكمال ما قد يكون بالتحقيقات الابتدائية من نقص أو عيب ، فليس له أن يتخذ من ذلك سببا لمنعاه . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن الدفع بانتفاء الصلة بالمضبوطات وبتلفيق الاتهام وكيديته وبتجهيل مكان الضبط من الدفوع الموضوعية التي لا تستأهل رداً طالما كان الرد مستفاداً من أدلة الثبوت التي أوردها الحكم ، هذا إلى أنه بحسب الحكم كيما يتم تدليله ويستقيم قضاؤه أن يورد الأدلة المنتجة التي صحت لديه على ما استخلصه من وقوع الجريمة المسندة إلى المتهم ولا عليه أن يتعقبه في كل جزئية من جزئيات دفاعه لأن مفاد التفاته عنها أنه اطرحها ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً في تقدير الدليل وفي سلطة محكمة الموضوع في وزن عناصر الدعوى واستنباط معتقدها وهو ما لا تجوز إثارته أمام محكمة النقض . لما كان ذلك ، وكان الطاعن لم يكشف عن أوجه الدفوع والدفاع التي ينعى على المحكمة قعودها عن الرد عليها حتى يتضح مدى أهميتها في الدعوى ، وهل تحوي دفاعًا جوهريًا مما يتعين على المحكمة أن تعرض له وترد عليه ، أم أنه من قبيل الدفاع الموضوعي الذي يكفي القضاء بالإدانة أخذاً بأدلة الثبوت رداً عليه ، بل ساق قوله في هذا الصدد مرسلًا مجهلًا ، فإن هذا الوجه من الطعن لا يكون مقبولاً . لما كان ذلك ، وكان لا يبين من محاضر جلسات المحاكمة أن الدفاع عن الطاعن طلب تحقيق في شأن كل ما أثاره بأسباب طعنه ، فليس له من بعد النعي على المحكمة قعودها عن إجراء تحقيق لم يطلب منها ولم تر هي من جانبها حاجة لإجرائه . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن افتراض براءة المتهم وصون الحرية الشخصية من كل عدوان عليها أصلان كفلهما الدستور بالمادتين 54 ، 96 منه ، فلا سبيل لدحض أصل البراءة بغير الأدلة التي تُقيمها النيابة العامة وتبلغ قوتها الإقناعية مبلغ الجزم واليقين مثبتة بها الجريمة التي نسبتها إلى المتهم في كل ركن من أركانها وبالنسبة لكل واقعة ضرورية لقيامها وبغير ذلك لا ينهدم أصل البراءة ، إذ هو من الركائز التي يستند عليها مفهوم المحاكمة المنصفة وهذا القضاء تماشياً مع ما نصت عليه المادة 96 من الدستور من أن ( المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه ) ومفاد هذا النص الدستوري أن الأصل في المتهم البراءة وأن إثبات التهمة قبله يقع على عاتق النيابة العامة فعليها وحدها عبء تقديم الدليل ولا يلزم المتهم بتقديم أي دليل على براءته ، كما لا يملك الشارع أن يفرض قرائن قانونية لإثبات التهمة أو لنقل عبء الإثبات على عاتق المتهم ، ولما كان الثابت من محاضر جلسات المحاكمة أن الطاعن في الدعوى الماثلة قد واجه الأدلة التي قدمتها النيابة العامة وكفلت له المحكمة الحق في نفيها بالوسائل التي قدرت مناسبتها وفقاً للقانون وقد حضر معه محامي للدفاع عنه ترافع في الدعوى وأبدى كل ما عن له من أوجه الدفاع فيها ثم قضت المحكمة من بعد بإدانته تأسيساً على أدلة مقبولة وسائغة ولها أصلها في الأوراق وتتفق والاقتضاء العقلي ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن في هذا المنحى تأدياً غير صحيح في القانون . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أنه يجب لقبول وجه الطعن أن يكون واضحاً محدداً ، وكان النعي على الحكم بدعوى أن الحكم شابه الخطأ في الإسناد وفي تطبيق لقانون ، قد جاء خلواً من تحديد مواطن هذا الخطأ ، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الخصوص لا يكون مقبولاً . لما كان ما تقدم ، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً .
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة:- بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع برفضه .

