إثبات " شهود " . نقض " أسباب الطعن . ما لا يقبل منها " .
الموجز
نص الحكم
باسم الشعب
محكمة النقـض
الدائــرة الجنائيــة
الأربعاء (أ)
ــــــــــــ
المؤلفة برئاسة السيد القاضي/ عاصــــــــــــــم الغايش " نائب رئيـس المحكمة "
وعضوية السادة القضـــــــــــــــاة / محمد هـــــــــــــــــلالي خالد صــــــــــــــــــالــــــــح
بهـاء محمد إبراهيم وجمال حســــن جودة
" نواب رئيـس المحكمة "
وحضور رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض السيد/ محمد الكاشف .
وأمين السر السيد / موندي عبد السلام .
في الجلسة المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة .
في يوم الأربعاء 20 من شعبان سنة 1446 ه الموافق 19 من فبراير سنة 2025 م .
أصدرت الحكم الآتي :
في الطعن المقيد في جدول المحكمة برقم 6366 لسنة 94 القضائية .
المرفوع من :
........................ " محكوم عليها - طاعــنة "
ضـــــــــــد :
النيابة العامة " مطعون ضدها "
الوقائـــع
اتهمت النيابة العامة الطاعنة وآخرين سبق محاكمتهم في قضية الجناية رقم ...... لسنة ...... قسم ...... (والمقيدة بالجدول الكلي برقم ...... لسنة ...... ......) ، بأنهم في غضون الفترة من عام ۲۰۱۸ حتى يناير ۲۰۲۱ بدائرة قسم ...... - محافظة ......:-
1- حال كونهم جماعة إجرامية منظمة غرضها الاتجار بالبشر ونقل وزراعة الأعضاء البشرية تعاملوا في شخص طبيعي المجني عليه / .............. وكان ذلك بصور البيع والشراء والنقل والتسليم والاستقبال والإيواء والاستخدام وذلك باستغلال حاجته المادية بغرض استئصال عضو الكلى لديه وبيعه لأخرى ونتج عن تلك الجريمة إصابة المجني عليه بعاهة مستديمة وذلك على النحو المبين بالتحقيقات.
2- تعاملوا في عضو من أعضاء جسم الإنسان (الكلى) على سبيل البيع والشراء وذلك بإجراء جراحة لنقله من جسم المجني عليه / .............. وزراعته بجسم إنسان آخر نظير حصولهم على مقابل مالي مع علمهم بذلك على النحو المبين بالتحقيقات .
3- حال كونهم جماعة إجرامية منظمة غرضها الاتجار بالبشر ونقل وزراعة الأعضاء البشرية تعاملوا في شخص طبيعي المجني عليها/ .............. وكان ذلك بصور البيع والشراء والنقل والتسليم والاستخدام وذلك باستغلال حاجتها المادية بغرض استئصال عضو الكلى لديها وبيعه لأخرى ونتج عن تلك الجريمة إصابة المجني عليها بعاهة مستديمة وذلك على النحو المبين بالتحقيقات .
4- تعاملت وآخرون سبق الحكم عليهم في عضو من أعضاء جسم الإنسان الكلى على سبيل البيع والشراء وذلك بإجراء جراحة لنقله من جسم المجني عليها / .............. وزراعته بجسم إنسان آخر نظير حصولهم على مقابل مالي مع علمهم بذلك على النحو المبين بالتحقيقات .
وأحالتها إلى محكمة جنايات ......... لمعاقبتهما طبقاً للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة .
والمحكمة المذكورة قضت حضورياً بجلسة ١٥ من يناير سنة ۲۰۲٤ عملاً بالمواد ١ ، ٢ ، ٤ ، ٥ ، 6/5،1 ، ۷ ، ۱۳ من القانون رقم ٦٤ لسنة ۲۰۱۰ ، والمواد 1 ، 2 ، 4 ، 6 ، 16 ، 17/1 ، 20/1 ، 22 ، 24 ، 25 من القانون رقم 5 لسنة ۲۰۱۰ المعدل بالقانون رقم ١٤٢ لسنة ۲۰۱۷ ، وإعمال نص المادتين ۱۷ ، ۳۲ من قانون العقوبات ، بمعاقبة .............. بالسجن المشدد لمدة ثلاث سنوات وبتغريمها خمسمائة ألف جنيه عما نسب إليها ، وألزمتها بالمصاريف الجنائية بعد أن عدلت وصف الاتهام بجعله :
في غضون الفترة من أكتوبر ۲۰۲۰ حتى يناير ۲۰۲۱ بدائرة قسم ...... - محافظة ...... :
1- حال كونهم جماعة إجرامية منظمة غرضها الاتجار بالبشر بنقل وزراعة الكلى تعاملوا مع المجني عليهما/ .............. ، و.............. بصور في البيع والشراء والاستخدام وذلك باستغلال حاجاتهما المادية بغرض استئصال عضوا الكلى لديهما وبيعه لمتلقين ونتج عن ذلك إصابة المجني عليهما بعاهة مستديمة وذلك على النحو المبين بالتحقيقات .
2- تعامل الثامن السابق محاكمته وتوسط في التعامل من الأول للرابع والسادس والسابعة -المتهمة الماثلة- في عضو من أعضاء جسم الإنسان الكلى على سبيل البيع والشراء وذلك بإجراء جراحة لنقله من جسم المجني عليهما المذكورين وزراعته بجسم متلقين آخرين نظير حصولهم على مقابل مادي مع علمهم بذلك على النحو المبين بالتحقيقات .
فطعنت المحكوم عليها في هذا الحكم بطريق النقض في 31 من يناير سنة 2024 .
وأودعت مذكرتان بأسباب الطعن بالنقض عن المحكوم عليها الأولى في 9 من مارس سنة 2024 موقع عليها من المحامي / ................ ، والثانية في 13 من مارس سنة 2024 موقع عليها من المحامي / ................. .
وبجلسة اليوم سمعت المحكمة المرافعة على ما هو مبين بمحضر الجلسة .
المحكمـة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر، وبعد المداولة قانونًا .
من حيث إن الطعن استوفى الشكل المقرر في القانون .
ومن حيث إن الطاعنة تنعى – بمذكرتي أسباب طعنها - على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانها بجريمتي تشكيل جماعة إجرامية منظمة هدفها ارتكاب جرائم الاتجار في البشر من أجل الحصول على منافع مادية ، والتعامل مع المجني عليهما على بيع واستئصال عضو من أعضاء جسديهما بمقابل مادي ، قد شابه القصور في التسبيب ، والفساد في الاستدلال ، ومخالفة الثابت بالأوراق ، وانطوى على الإخلال بحق الدفاع ، ذلك بأن أسبابه صيغت في عبارات عامة معماة مجملة ومبهمة وغامضة ، خلت من بيان واقعة الدعوى بيانًا تتحقق به الأركان القانونية للجريمتين اللتين دانها بهما ، ومن إيراد مؤدى الأدلة التي عوّل عليها سيما تحريات المباحث ووجه استدلاله بها على ثبوت التهمة ، فجاءت صورة الدعوى تبعًا لذلك مجملة ومبهمة وغامضة وغير مستقرة في ذهن المحكمة ، وخلا من بيان نص القانون الذي عاقبها بمقتضاه ، ولم يستظهر أركان جريمة الاتجار بالبشر خاصة الركن المعنوي بشقيه العام والخاص مطرحًا دفعها في هذا الصدد بما لا يسوغ ، ولم يستظهر الحكم مظاهر اتفاقها مع باقي المتهمين وكيفية مساهمتها معهم في ارتكاب الاتهامات المسندة إليها ، هذا إلى أن ما أورده الحكم من أدلة لا تكفي لإدانتها ، إذ خلت أقوال المجني عليهما من بيان أي دور لها في ارتكاب الواقعة أو تواجدها على مسرحها كما أن المجني عليه الأول لم يذكر إلا اسمها الأول ، وأن النيابة العامة ومن بعدها المحكمة لم تجر عرضًا قانونيًا لاستعراف المجني عليهما على الطاعنة ، كما أسند الحكم إلى المجني عليها .............. قولها إنها قد تحصّلت من الطاعنة على مقابل بيعها لكليتها وهو ما خلت منه أقوال الشاهدة المذكورة سواء في محضر جمع الاستدلالات أو في تحقيقات النيابة العامة ولم يرد بأقوالها اسم الطاعنة أو أي دور لها في الواقعة ، وعول على رأي لسواه بأن اتخذ من تحريات الشرطة وأقوال مجريها دليلاً أساسياً في الدعوى بالرغم من عدم جديتها وعدم صلاحيتها كدليل وتناقضها - لما ساقته من قرائن - إضافة إلى أنها جاءت بعد الواقعة بفترة طويلة وترديداً لأقوال الشهود والمتهمين ، ورَدَّ الحكم على الدفع ببطلانها لعدم جديتها بما لا يصلح ردًا ، كما عوَّل على أقوال المتهمين .............. و.............. و.............. و.............. و.............. -السابق محاكمتهم- رغم تناقضها مع بعضها البعض ومع أقوال شاهدة الإثبات الثانية فضلاً عن أن المتهمين الأخيرين مسجلين خطر ولا يعتد بشهادتهما ، ولم يوازن بين أدلة الثبوت والنفي ، وأقام قضاءه على الظن والاحتمال لما ساقته الطاعنة من شواهد ، وملتفتاً عن دفاعها القائم على عدم ارتكابها الواقعة وانتفاء صلتها بها المؤيَّد بالمستندات وأقوال شهود النفي ، وأن المحكمة دانتها دون أن تعمل في حقها قاعدة أن الأصل في الإنسان افتراض البراءة رغم خلو الأوراق من شاهد رؤية ودليل يقيني ، معرضة عن إنكارها الاتهام المسند إليها وما تمسكت به من شواهد على ذلك ، وأخيراً فقد استخلصت المحكمة واقعة الدعوى على خلاف الثابت بالأوراق ، وشاب حكمها التناقض والتهاتر ، والتفتت عن باقي دفوعها المثبتة بمذكرة دفاعه ، مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه .
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه بيَّن واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجريمتين اللتين دان الطاعنة بهما ، وساق على ثبوتهما في حقها أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتَّبه عليها ، وأورد مؤدى كل منها -ومن بينها تحريات المباحث- في بيان وافٍ ، كما بيّن نص القانون الذي حكم بموجبه –خلافاً لما تزعمه- . لما كان ذلك ، وكان القانون لم يرسم شكلًا خاصًا يصوغ فيه الحكم بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة ، والظروف التي وقعت فيها ، ومؤدى أدلة الإدانة ، فمتى كان مجموع ما أورده الحكم كافيًا في تفهُّم الواقعة وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة كان هذا مُحَقِّقًا لحكم القانون ، وكان مُجْمَل ما أورده الحكم خاليًا من الغموض والإجمال والإبهام وكافيًا للإحاطة بالدعوى وواضحًا في الدلالة على أن المحكمة قد ألمَّت بالواقعة وبظروفها وبأدلتها وبإيراد مؤداها وببيان الصورة الصحيحة لها ، دون أي إجمال أو إبهام أو قصور –خلافًا لزعم الطاعنة–، ودانتها وهي على بيِّنة من أمرها ، بعد ما تبيَّن لها اقترافها الجريمتين اللتين دانتها بهما ، فإن كل ما تثيره الأخيرة على الحكم من قصور على النحو الوارد بوجه النعي وأسباب الطعن لا يكون له محل . لما كان ذلك ، وكان المُستفاد من نص المادة الثانية من القانون رقم ٦٤ لسنة ٢٠١٠ بشأن مكافحة الاتجار بالبشر ، أن الركن المادي لجريمة الاتجار بالبشر يتحقق بارتكاب الجاني فعلًا ماديًا قوامه التعامل في الشخص الطبيعي بأي صورة من الصور ، ومنها البيع أو العرض للبيع أو الشراء أو الوعد بهما أو الاستخدام أو النقل أو التسليم أو الإيواء أو الاستقبال أو التسلم سواء في داخل البلاد أو عبر حدودها الوطنية ، على أن يكون ذلك التعامل بوسيلة من الوسائل التي نصت عليها المادة سالفة الإشارة على سبيل الحصر ، وهي استعمال القوة أو العنف أو التهديد بهما ، أو بواسطة الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع ، أو استغلال السلطة ، أو استغلال حالة الضعف أو الحاجة ، أو الوعد بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا مقابل الحصول على موافقة شخص على الاتجار بشخص آخر له سيطرة عليه ، وتوافر إحدى هذه الوسائل شرط لقيام الجريمة إلا في حالة أن يكون المجني عليه طفلًا أو عديم الأهلية فلا يلزم توافرها ، كما أن تلك الجريمة عمدية يقوم ركنها المعنوي على قصد عام وآخر خاص ، ويتوافر القصد العام بعلم الجاني بعناصر الجريمة واتجاه إرادته إلى السلوك المكون لها في أي صورة من صور التعامل في الشخص الطبيعي ، أما عن القصد الخاص – وعلى ما أفصحت عنه عبارات نص القانون المار بيانه - فهو يتمثل في الغرض من ارتكاب الجريمة ، إذ يجب لتحقق ذلك القصد أن تتجه إرادة الجاني إلى تحقيق غاية معينة من التعامل في الشخص الطبيعي ، وتتبلور تلك الغاية في الاستغلال أيًّا كانت صوره ، أو السخرة أو الخدمة قسرًا ، أو الاسترقاق أو التسول ، أو استئصال الأعضاء أو الأنسجة البشرية ، ولمحكمة الموضوع أن تستخلص ذلك القصد الجنائي الخاص بطريق مباشر أو غير مباشر من الأفعال التي يأتيها الجاني ومن الظروف المحيطة بارتكابه الجريمة والتي تنم عن توافره ، وهو أمر موضوعي تستقل به محكمة الموضوع ، ومتى قالت بوجوده فلا رقابة عليها لمحكمة النقض إلا إذا كانت تلك الظروف والقرائن لا تصلح عقلًا لهذا الاستنتاج ، ولا يشترط لقيام تلك الجريمة تحقق الفعل المقصود من السلوك المكوَّن لها ، بل يكفي مجرد انصراف القصد - بشقيه العام والخاص - إلى تحقيق هذا الفعل ، كما أن البيِّن من استقراء نص المادة الثالثة من القانون آنف الإشارة إليه والمادة الثالثة من قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 3028 لسنة 2010 بإصدار اللائحة التنفيذية ، أنه لا يعتد برضاء المجني عليه بالاستغلال الواقع عليه بأيٍّ من صوره وفي جميع الأحوال ، فرِضاء المجني عليه بالاستغلال لا يُعتبر سببًا مُبيحًا للجريمة ولا يعفي من العقاب . لما كان ذلك ، وكان ما أورده الحكم المطعون فيه في بيانه واقعة الدعوى ، واستعراضه لأدلتها ، وفي رده على دفع الطاعنة بانتفاء أركان جريمة الاتجار في البشر ، أن ما ثبت في حقها هو أنها وآخرين سبق الحكم عليهم كونوا جماعة إجرامية منظمة وأداروها وفق تنظيم معين يهدف إلى نقل وزراعة الأعضاء البشرية - كُلى - بالمخالفة للقوانين – وبما يشكل إحدى صور الاتجار بالبشر ، ووُزعت الأدوار بينهم واختصاصات كل منهم ، وذلك بأن قاموا -أعضاء الجماعة كل حسب دوره المنوط به– باستقطاب أي ممن أعوزته الحاجة واستغلال ضعفه وحاجته الماسة للمال وترغيبه بالمال ليبيع كُليته مقابل مبلغ مالي تراوح عن الحالة الواحدة ما بين اثنين وعشرين ألفاً إلى ثلاثة وعشرين ألف جنيه لزرعها في أجساد المرضى بالفشل الكلوي ، وذلك مقابل مبالغ مالية تحصلوا عليها من الأخيرين ، وقد أنتجت هذه الأفعال أن تعاملوا في أشخاص طبيعيين من بينهما الشاهدين الأول والثانية مستغلين فقرهما وعوزهما وحاجتهما الماسة للمال ، وقاموا -أعضاء الجماعة كل حسب دوره المنوط به- باستقطاب المجني عليهما المذكورين وإيوائهما وإجبارهما على توقيع إيصالات أمانة ، وتصويرهما بواسطة الطاعنة عند تقاضيهما تكاليف التحاليل والفحوصات ومقابل استئصال عضو الكُلى من كليهما ، وإجراء الفحوصات والتحاليل الطبية اللازمة ، ثم إجراء عمليات جراحية لهما واستئصال كُلية كل منهما وزراعتها في اثنين من المتلقين من المرضى والحصول من الأخيرين على منافع مادية مقابل ذلك ، وقد كان كل ذلك بالمخالفة للقانون ومقابل وعد المجني عليهما بمبالغ مالية استغلالاً لحالة ضعفهما وحاجتهما ، وتمت تلك العمليات في غير المنشآت المرخص لها بذلك ، وقد ترتب على ذلك إصابة المجني عليهما -المتبرعين– بعاهات مستديمة ، وكان ما أورده الحكم في بيانه لواقعة الدعوي واستعراضه لأدلتها ورده على دفاع الطاعنة كافيًا لإثبات توافر هذه الجريمة بأركانها بما فيها ركنيها المادي والمعنوي - بعنصريه العام والخاص - ومن ثم فإن النعي على الحكم في هذا الشأن يكون غير قويم . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن الاتفاق على ارتكاب الجريمة لا يقتضي في الواقع أكثر من تقابل إرادات المساهمين فيها ، ولا يشترط لتوافره مضي وقت معين ومن الجائز عقلًا وقانونًا أن تقع الجريمة بعد الاتفاق عليها مباشرًا أو لحظة تنفيذها تحقيقًا لقصد مشترك بين المساهمين ، هو الغاية النهائية من الجريمة ، أي أن يكون كل منهم قَصَد قصْد الآخر في إيقاع الجريمة المعنية وأسهم فعلاً بدور في تنفيذها بحسب الخطة التي وُضعت أو تكونت لديهم فجأة ، وأنه يكفي في صحيح القانون لاعتبار الشخص فاعلًا أصليًا في الجريمة أن يساهم فيها بفعل من الأفعال المكونة لها ، وكان ما أورده الحكم وساقه من أدلة الثبوت كافيًا بذاته للتدليل على اتفاق الطاعنة مع باقي المتهمين على ارتكاب الجريمتين اللتين دينوا بها ، كما حدّد الأفعال التي أتاها كل منهم وبيّن دورها فيها ، فإن ما تنعاه في هذا الشأن لا يكون له محل . لما كان ذلك ، وكان الأصل أنه لا يشترط في شهادة الشاهد أن تكون واردة على الحقيقة المراد إثباتها بأكملها وبجميع تفاصيلها على وجه دقيق ، بل يكفي أن يكون من شأن تلك الشهادة أن تؤدي إلى هذه الحقيقة باستنتاج سائغ تجريه محكمة الموضوع يتلاءم به ما قاله الشاهد بالقدر الذي رواه مع عناصر الإثبات الأخرى المطروحة أمامها ، وكان لا يلزم أن تكون الأدلة التي اعتمد عليها الحكم بحيث ينبئ كل دليل منها ويقطع في كل جزئية من جزئيات الدعوى ، ذلك بأن الأدلة في المواد الجنائية متساندة ومنها مجتمعة تتكون عقيدة المحكمة ولا ينظر إلى دليل بعينه لمناقشته على حدة دون باقي الأدلة ، بل يكفي أن تكون الأدلة في مجموعها كوحدة مؤدية إلى ما قصده الحكم منها ومنتجة في اكتمال اقتناع المحكمة واطمئنانها إلى ما انتهت إليه ، وإذ كان الحكم المطعون فيه قد عوّل في إدانة الطاعنة على أقوال المجني عليهما التي تأيدت بما دلت عليه تحريات ضابطي المباحث واعترافات المتهمين الأول والثانية والثالث والرابع والسادس -السابق محاكمتهم– وما ثبت بتقرير الطب الشرعي ، وهي أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها ، فإن ما تثيره الطاعنة في هذا الصدد لا يعدو أن يكون من قبيل الجدل الموضوعي في تقدير الأدلة وفي سلطة محكمة الموضوع في استنباط معتقدها منها مما لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض . لما كان ذلك ، وكان البيّن من مطالعة محاضر جلسات المحاكمة أن الطاعنة أو المدافع عنها لم يثر أيهما ما تنعاه من عدم إجراء عملية عرض قانونية لاستعراف المجني عليهما على المتهمة بمعرفة النيابة العامة ، وهو تعييب للتحقيق والإجراءات التي جرت في المرحلة السابقة على المحاكمة مما لا يصح أن يكون سببًا للطعن على الحكم ، كما لم يطلب أيهما من المحكمة اتخاذ إجراء معين في هذا الخصوص ، فليس لها من بعد أن تنعى على المحكمة قعودها عن إجراء تحقيق لم يُطلب منها ولم تر هي حاجة لإجرائه بعد أن اطمأنت من عناصر الدعوى المطروحة أمامها إلى صحة الواقعة . لما كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه لم ينسب للمجني عليها .............. قولًا إنها قد تحصلت من الطاعنة على مقابل بيعها لكليتها ، كما أن ما أورده الحكم في صورة الواقعة عن هذا القول إنما كان نقلاً عن اعتراف المتهمين الثالث والسادس بالتحقيقات وليس نقلاً عن المجني عليها سالفة الذكر وذلك كله خلافاً لما تزعمه الأخيرة في أسباب طعنها ، فإن ما ترمي به الحكم من الخطأ في الإسناد لا يكون له وجه . لما كان ذلك ، وكانت المحكمة في الدعوى الراهنة قد أفصحت بأسباب سائغة عن اطمئنانها إلى جدية التحريات التي أجراها ضابطا المباحث وإلى صدق أقوالهما ، وهي مسائل موضوعية مما تستقل بتقديرها ما دامت ساقت على ذلك أسباباً سائغة ، ولا يقدح في ذلك ما أثارته الطاعنة من شواهد -على النحو الذي ذهبت إليه في أسباب طعنها- لا تدحض بذاتها عدم جدية تلك التحريات ، فضلاً عن أن الحكم المطعون فيه لم يقتصر في الإدانة عليها إنما استند إليها كقرينة مُعزِّزة لسائر الأدلة الكافية والسائغة التي عوَّل عليها في هذا الخصوص ، واطرح ما أثارته الطاعنة للنَيل منها في منطق سليم وتدليل مقبول ، ومن ثم فإن النعي على الحكم بهذا الوجه يكون لا محل له . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن لمحكمة الموضوع في المواد الجنائية كامل الحرية في تكوين عقيدتها مما تطمئن إليه من أدلة وعناصر الدعوى ما دام له أصل ثابت في أوراقها ، وكان من المقرر أيضًا أن أقوال متهم على آخر هو في حقيقة الأمر شهادة يسوغ للمحكمة أن تعوّل عليها في الإدانة متى وثقت فيها وارتاحت إليها ، وكان تناقض المتهم أو تضاربه في أقواله أو مع أقوال غيره لا يعيب الحكم ما دامت المحكمة قد استخلصت الحقيقة من تلك الأقوال استخلاصًا سائغًا بما لا تناقض فيه - كما هو الحال في الدعوى المطروحة – كما أنه من حق محكمة الموضوع أن تعتمد في قضائها بالإدانة على شهادة سمعت على سبيل الاستدلالات بغير حلف يمين كالحال بالنسبة للمحرومين من أداء الشهادة بيمين ومنهم المحكوم عليهم بعقوبة جناية مدة عقوبتهم ، طبقاً للبند ثالثاً من المادة 25 من قانون العقوبات ، فإنه لا تثريب على المحكمة إذ عولت في إدانة الطاعنة ضمن ما استند إليه على أقوال المتهمين ومنهما المتهمان .............. و.............. وذلك حتى بفرض صحة ما تثيره الطاعنة من أن الأخيرين مسجلان خطر ، فضلًا عن أنه وإذ كان المتهمون لم يؤدوا شهاداتهم أمام المحكمة وإنما أمام النيابة العامة ، فإنهم لا يكونون مخاطبين بنص المادة 25 المار ذكرها ، ومن ثم فإن ما تثيره الطاعنة بشأن سلامة استدلال الحكم بأقوال المتهمين -السابق الحكم عليهم- على ارتكابها الجريمتين اللتين دانها عنهما يكون غير سديد . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن تقدير الأدلة وترجيح بعضها على البعض من أخص خصائص محكمة الموضوع تقرر فيه ما تراه بلا منازع أو رقيب ، ولا يعيب الحكم عدم التعرض لأدلة النفي ، لأن مؤدى هذا السكوت أن المحكمة أطرحتها اطمئنانًا لأدلة الثبوت التي أوردتها ، ومن ثم فإن ما يثار أن الحكم لم يوازن بين أدلة الثبوت وأدلة النفي ينحل إلى جدل موضوعي في تقدير أدلة الدعوى مما لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض . لما كان ذلك ، وكانت محكمة الموضوع قد أقامت قضاءها على ما اقتنعت به من أدلة ترتدُّ إلى أصل صحيح في الأوراق ، واستخلصت في منطق سائغ وتدليل مقبول صحة إسناد الاتهامات إلى الطاعنة ، وكان قضاؤها في هذا الشأن مبنياً على عقيدة استقرت في وجدانها عن جزم ويقين ، ولم يكن حكمها مؤسَّساً على الفرض والاحتمال حسبما تذهب إليه الطاعنة ، فإن ما تثيره في هذا الخصوص لا يخرج عن كونه جدلاً موضوعياً لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن محكمة الموضوع غير ملزمة بالرد صراحة على أدلة النفي –من شهود أو مستندات- التي يتقدَّم بها المتهم ولا يعيبها سكوتها عنها ، ما دامت لا تثق بها وما دام الرد عليها وعلى الدفوع المقدمة في مظاهرتها مستفاداً ضمناً من الحكم بالإدانة اعتماداً على أدلة الثبوت التي أوردها ، إذ بحسب الحكم كيما يتم تدليله ويستقيم قضاؤه أن يورد الأدلة المنتجة التي صحَّت لديه على ما استخلصه من وقوع الجرائم المسندة إلى المتهم ، ولا عليه أن يتعقَّبه في كل جزئية من جزئيات دفاعه ، لأن مفاد التفاته عنها أنه اطرحها ، ومن ثم فإن ما تثيره الطاعنة في هذا الشأن يكون غير مقبول . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن افتراض براءة المتهم وصون الحرية الشخصية من كل عدوان عليها أصلان كَفَلَهما الدستور بالمادتين 54 ، 96 فلا سبيل لدحض أصل البراءة بغير الأدلة التي تقيمها النيابة العامة ، وتَبْلُغ قوَّتِها الإقناعية مبلغ الجزم واليقين ، مُثْبِتَةً بها الجريمة التي نسبتها إلى المتهم في كل ركن من أركانها وبالنسبة لكل واقعة ضرورية لقيامها ، وبغير ذلك لا ينهدم أصل البراءة ؛ إذ هو من الركائز التي يستند إليها مفهوم المحاكمة المنصفة ، وهذا القضاء تمشِّيًا مع ما نصَّت عليه المادة 96 من الدستور من أن : " المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية ، تُكْفَل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه " ، ومفاد هذا النص الدستوري أن الأصل في المتهم البراءة ، وأن إثبات التهمة قِبَله يقع على عاتق النيابة العامة ، فعليها وحدها عبء تقديم الدليل ، ولا يُلْزَم المتهم بتقديم أي دليل على براءته ، كما لا يملك الشارع أن يفرض قرائن قانونية لإثبات التهمة أو لنقل عبء الإثبات على عاتق المتهم . لما كان ذلك ، وكان الثابت من محضري جلسة المحاكمة أن الطاعنة في الدعوى الماثلة قد واجهت الأدلة التي قدَّمتها النيابة العامة قِبَلِها ، وكَفَلَت لها المحكمة الحق في نفيها بالوسائل التي قدرت مناسبتها وفقًا للقانون ، وقد حضر معها محام للدفاع عنها ترافع في الدعوى ، وأبدى ما عَنَّ له من أوجه الدفاع فيها ، ثم قضت المحكمة من بعد بإدانتها تأسيسًا على أدلة مقبولة وسائغة لها أصلها في الأوراق ، وتتَّفِق والاقتضاء العقلي ، ومن ثم ، فإن ما تثيره الطاعنة في هذا المنحى يضحى تأويلًا غير صحيح للقانون . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن القانون لا يشترط لثبوت جريمة الاتجار بالبشر والحكم على مرتكبها وجود شهود رؤية - بخلاف المجني عليهما - أو قيام أدلة معينة ، بل للمحكمة أن تكون عقيدتها بالإدانة في تلك الجريمة من كل ما تطمئن إليه من ظروف الدعوى وقرائنها ، إذ القرائن من طرق الإثبات في المواد الجنائية ، وللقاضي أن يعتمد عليها وحدها ما دام الرأي الذي يستخلص منها مستساغاً ، ومن ثم يكون ما تثيره الطاعنة في هذا الصدد لا محل له . لما كان ذلك ، وكان من المقرر في أصول الاستدلال أن المحكمة غير ملزمة بالتحدث في حكمها إلا عن الأدلة ذات الأثر في تكوين عقيدتها ، وفي إغفالها لإنكار المتهم ما يفيد ضمناً اطراحها له واطمئنانها إلى ما أثبتته من الوقائع والأدلة التي اعتمدت عليها في حكمها ، فإن النعي في هذا الخصوص لا يكون سديداً . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أنه يجب لقبول وجه الطعن أن يكون واضحاً محدداً ، وكانت الطاعنة لم تفصح عن أوجه مخالفة الحكم فيما استخلصه من واقعة الدعوى أو مخالفة الثابت بالأوراق والتناقض والتهاتر ، ولم تكشف عن أوجه الدفاع والدفوع التي أشارت إليها إجمالاً بمذكرة دفاعها ولم ترد عليها المحكمة ، بل ساقت في ذلك قولاً مرسلاً مجهلاً ، فإن منعاها في هذا الشأن يكون غير مقبول . لما كان ما تقدم ، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس ويتعين رفضه موضوعًا .
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة : بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع برفضه .

