حكم " بيانات التسبيب " " تسبيبه . تسبيب غير معيب " .
الموجز
نص الحكم
باسم الشعب
محكمة النقـــض
دائرة الأحد ( د ) الجنائيـــة
الطعن رقم 14438 لسنة 93 القضائية
جلسة الأحد الموافق 9 من يونيو سنة 2024
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
برئاسة السيد القاضي/ منصور القاضي " نائب رئيس المحكمة "
وعضوية السادة القضاة/ وائل صبحي ومحمد عبد الحليم طلبه
د. محمد سامي العواني " نواب رئيس المحكمة " أحمد محمد ممدوح
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوقائــع
اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه :
- بصفته موظفًا عامًا " صراف بمستشفى .... للكبد " إحدى مستشفيات .... الجامعية اختلس المبالغ المالية البالغ قدرها ٦٠٧٦٤٤,٣٦ جنيه (ستمائة وسبعة آلاف وستمائة وأربعة وأربعين جنيهًا وستة وثلاثين قرشًا) والمملوكة لجهة عمله آنفة البيان والتي وجدت في حيازته بسبب وظيفته والمسلمة إليه من المرضي متلقي الخدمات الطبية بالأقسام المختلفة للمستشفى مقابل تلك الخدمات وذلك لتوريدها لحساب جهة عمله إلا أنه اختلسها لنفسه حال كونه من مأموري التحصيل وسلم إليه المال بتلك الصفة.
- وقد ارتبطت تلك الجريمة بجريمتي التزوير في محررات رسمية واستعمالها ارتباطًا لا يقبل التجزئة ذلك أنه في ذات الزمان والمكان وبصفته آنفة البيان غير بقصد التزوير موضوع السندات في حال تحريرها كمختص بجعله واقعة مزورة في صورة واقعة صحيحة مع علمه بتزويرها وذلك بأن ارتكب تزويرًا في محررات رسمية عددها ١٠٤١ إيصال صحة ۱۹ أ والموضح بياناتهم تفصيلًا بصلب تقرير لجنة الفحص بأن أثبت بها على خلاف الحقيقة مبالغ مالية أقل من المحصلة فعليًا والثابتة بصور الايصالات المسلمة للمرضي واختلاسه الفارق بين تلك المبالغ لنفسه واستعمل المحررات المزورة سالفة الذكر فيما زورت من أجله بأن قدمها للمختصين بجهة عمله محتجًا بما ورد بها مع علمه بتزويرها وذلك سترا لجريمته كما هو مبين بالتحقيقات.
وأحالته إلى محكمة جنايات .... لمعاقبته طبقا للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة.
المحكمة المذكورة قضت حضوريًا عملًا بالمواد 112/2،1 بند (أ، ب)، 118، 118مكرر، 119/أ، 119 مكرر/۱ بند (أ)، ۲۱۳، ۲۱٤ من قانون العقوبات، مع إعمال المادتين ۳۲،۱۷ من ذات القانون بمعاقبته بالسجن المشدد لمدة ثلاث سنوات وبتغريمه ٦٠٧٦٤٤،٣٦ (ستمائة وسبعة آلاف وستمائة وأربعة وأربعين جنيهًا وستة وثلاثين قرشًا) ورد قيمة المبلغ المختلس المذكور والعزل من وظيفته ونشر الحكم بإحدى الجرائد الرسمية علي نفقة المتهم ومصادرة المحررات المزورة وألزمته المصاريف الجنائية.
وفى 5 يوليو سنة ۲۰۲۳ قرر المحكوم عليه - بشخصه - بالطعن في هذا الحكم بطريق النقض.
وفي 10 أغسطس سنة ۲۰۲۳ أودعت مذكرة بأسباب الطعن موقعة من الأستاذ/ .... المحامي والمقبول للمرافعة امام محكمة النقض.
وبجلسة اليوم نظرت المحكمة الطعن حيث سُمعت المرافعة كما هو مبين بمحضر الجلسة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المحكمــة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر، والمرافعة، والمداولة قانونًا:
حيث إن الطعن قد استوفى الشكل المقرر في القانون.
حيث إن مبنى أوجه الطعن التي تضمنها تقرير الأسباب المقدم من الطاعن هو أن الحكم المطعون فيه إذ دانه بجرائم اختلاس مال مملوك لجهة عمله وجد في حيازته بسبب وظيفته حال كونه من مأموري التحصيل المرتبط بجريمتي التزوير في محررات رسمية واستعمالها، قد شابه القصور في التسبيب، والفساد في الاستدلال، والإخلال بحق الدفاع، ذلك بأنه لم يلم إلمامًا شاملًا بواقعة الدعوى، وأدلتها، واطرح بما لا يسوغ ردًا دفوعه بانتفاء أركان جريمتي الاختلاس، والتزوير بركنيهما المادي والمعنوي، والقصد الجنائي، وبانتفاء صفته كمندوب تحصيل لكونه عامل، وأن تواجده بالخزينة تواجد صوري، وعدم سيطرة الطاعن على الدفاتر محل المبالغ المنسوب للطاعن اختلاسها، وشيوع الاتهام، وأن مرتكبها شخص آخر، وعدم صحة الإسناد، وانتفاء دليل الثبوت، وعدم جدية التحريات، وقصور تحقيقات النيابة العامة، وعول في قضائه بالإدانة على أقوال شهود الإثبات رغم تكذيب الدفاع لها، ولم تستمع المحكمة إلى شهادتهم؛ كل ذلك مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه بيَّن واقعة الدعوى، بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دان الطاعن بها، وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها، وجاء استعراض المحكمة لأدلة الدعوى على نحو يدل على أنها محصتها التمحيص الكافي، وألمت بها إلمامًا شاملًا يفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة، وكان من المقرر أن القانون لم يرسم شكلًا أو نمطًا يصوغ فيه الحكم بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها، ومتى كان مجموع ما أورده الحكم كافيًا في تفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة - كما هو الحال في الدعوى الراهنة - فإن ذلك يكون محققًا لحكم القانون، ومن ثم فإن منعى الطاعن في هذا الشأن يكون ولا محل له. لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد رد على دفعه بانتفاء أركان جريمة الاختلاس، واطرحه بقوله : ( وحيث إنه عن الدفع بانتفاء أركان جريمة الاختلاس فمرود بما هو مقرر قانونًا أن الأركان القانونية لجناية الاختلاس المنصوص عليها في الفقرة الأولى من المادة 112 من قانون العقوبات يكفي لتحققها في كافة الحالات التي يكون فيها عمل الموظف قد اقتضى وجود الشيء بين يديه، وفرض العقاب على عبث الموظف بالائتمان على حفظ الشيء، وأن الاختلاس يقتضي بطبيعته إضافة المختلس للمال المعهود إليه إلى ملكه بنية إضاعته على مالكه، ويكفي لتوافر القصد الجنائي في جريمة الاختلاس أن يكون الموظف المتهم قد تصرف في المال الذي بعهدته على اعتبار أنه مملوك له، ولما كان ذلك، وكان الثابت أن المتهم من أصحاب الوظيفة العامة - موظف عام - صراف بمستشفى .... للكبد إحدى مستشفيات .... الجامعية، وهي إحدى وحدات القطاع العام وفقًا لنص المادة 119 من قانون العقوبات والمتهم على الدرجة الثانية، ومنقول نقل داخلي صادر من الشئون المالية والإدارية بمستشفى .... للكبد إلى وحدة التحصيل والصرف بالمستشفى اعتبارًا من 1/8/2018 مما تكون معه صفة العمومية ثابتة قبل المتهم، وأن المستشفى المجني عليها هي تابعة للقطاع العام مما تتوافر معه أيضًا الصلة بين اختصاص الموظف والظروف التي أتاحت له الاستيلاء على المال العام بكونه موظف في تلك المستشفى، وقد وجدت الأوراق والأموال تحت يديه بسبب وظيفته فقام باختلاس مبالغ مالية قدرها 607644,36 ستمائة وسبعة آلاف وستمائة وأربعة وأربعين جنيهًا وستة وثلاثين قرشًا والمسلمة إليه بصفته محصل بالمستشفى آنفة البيان، وذلك من المرضى متلقي الخدمة الطبية لتوريدها لحساب جهة عمله بالمستشفى فقام بالتزوير في محررات رسمية، وعددها 1041 إيصال تحصيل صحة 19 أ بأن أثبت بأصول الإيصالات المرفقة بدفتر التحصيل مبالغ مالية أقل من المحصل فعليًا، والثابتة بالصور الكربونية للإيصالات المسلمة للمرضى، واختلاسه الفارق بينهم لنفسه مما يتحقق معه الأضرار العمدي بأموال ومصالح الجهة التي يعمل بها، وتكون معه جميع أركان جريمة الاختلاس مستوفاة، وذلك وفقًا لنص المادة 112 من قانون العقوبات، ويكون ما تساند إليه دفاع المتهم في هذا الشأن لا أساس له من الصحة مما يكون معه هذا المنعى خليقًا بالرفض ) وكان ما أورده الحكم فيما تقدم كافيًا، وسائغًا في بيان توافر الركنين المادي والمعنوي لجريمة الاختلاس، ويندفع به ما يثيره الطاعن من عدم توافر أركانها، ذلك لأن القانون فرض العقاب في المادة ۱۱۲ عقوبات على عبث الموظف بما يؤتمن عليه مما يوجد بين يديه بمقتضى وظيفته، وانصراف نيته باعتباره حائزًا له إلى التصرف فيه على اعتبار أنه مملوك له، وهو معنى مركب من فعل مادي هو التصرف في المال، ومن عامل معنوي يقترن به هو نية إضاعة المال على ربه، وهو ما لم يخطئ الحكم في استخلاصه، فضلًا عن أنه لا يلزم أن يتحدث الحكم استقلالًا عن توافر القصد الجنائي في تلك الجريمة، بل يكفي أن يكون ما أورده من وقائع وظروف يدل على قيامه - وهو الحال في الدعوى المطروحة - فإن ما ينعاه الطاعن في هذا الخصوص يكون قائمًا على غير ذي محل. لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد عرض للدفع بعدم توافر أركان جريمة التزوير في حقه، واطرحه بقوله : ( وحيث إنه عن الدفع بعدم توافر أركان التزوير في حق المتهم فمردود عليه بما هو مقرر قانونًا أن جريمة التزوير تقع بكل تغير في الحقيقة في المحرر أيًا كان نوعه بإحدى الطرق التي حددها القانون تغيرًا من شأنه أن يسبب ضررًا للغير، ولم يجعل المشرع لإثبات جريمة التزوير طريقًا خاصًا، ومن ثم يكفي لثبوته أن تكون المحكمة قد اطمأنت إلى حصوله من ظروف الدعوى وملابساتها كما أنه من المقرر أيضًا أن القصد الجنائي في جرائم التزوير تنحصر في أمرين، الأول : هو عام في سائر الجرائم ويتخلص في علم الجاني بأن يرتكب الجريمة بجميع عناصرها التي تتكون منها طبقًا للقانون أي إدراكه أنه يغير الحقيقة في محرر بإحدى الطرق المنصوص عليها قانونًا، وأن من شأن هذا التغير أن يترتب عليه ضرر. ثانيًا : هو خاص بجريمة التزوير، وهو يعني اقتران هذا العلم بنية استعمال المحرر فيما غير من أجله ولا عبرة بعد ذلك بالبواعث أو الأهداف الأخرى. وحيث إن المحكمة تطمئن تمام الاطمئنان لما قرره شهود الواقعة جميعهم ويرتاح وجدانها لما جاء بالتقرير الفني بقسم أبحاث التزييف والتزوير أن المتهم هو مرتكب الجريمة المسندة إليه بتزويره الإيصالات الخاصة بالتحصيل بالمستشفى وعددها 1041 إيصال 19 أ بأن حررها بخط يده واستعمل هذه المحررات بأن أثبت بأصول الإيصالات المرفقة بدفاتر التحصيل مبالغ مالية أقل من المحصلة فعليًا والثابتة بالصورة الكربونية للإيصالات المسلمة للمرضى واختلاسه الفارق بينهم لنفسه مما تكون معه جريمة التزوير مكتملة الأركان مما يكون معه نعى الدفاع في هذا الشأن غير جدير يتعين رفضه ) لما كان ذلك، وكان الحكم قد دلل على توافر أركان جريمة التزوير في أوراق رسمية واستعمالها بما يصادف صحيح القانون، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد يكون غير سديد. هذا فضلًا عن أنه لما كانت العقوبة التي أوقعها الحكم على الطاعن بعد تطبيق المادة ١٧ من قانون العقوبات، وهي السجن المشدد لمدة ثلاث سنوات تدخل في حدود العقوبة المقررة لجريمة الاختلاس حال كونه من مأموري التحصيل مجردة من ظرف كون الجريمة مرتبطة ارتباطًا لا يقبل التجزئة بجريمتي التزوير في محررات رسمية واستعمالها، فإنه لا يكون له مصلحة فيما أثاره في هذا الشأن. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن صفة مأمور التحصيل إنما تتحقق متى كان تسليم المال للموظف بمقتضى الوظيفة لتوريده لحساب الحكومة سواء كان تكليفه بهذا التحصيل بمقتضى قانون أو قرار أو لائحة أو مرسوم أو تعيين أو تكليف كتابي أو شفوي، بل يكفى عند توزيع الأعمال في المصلحة الحكومية أن يقوم الموظف بعملية التحصيل، وفى قيامه بذلك، وتسلمه دفاتر التحصيل ما يكسبه هذه الصفة، ما دام أنه لم يدع بأنه أقحم نفسه على العمل، وأنه قام به متطفلًا أو متفضلًا أو فضوليًا سواء بتعاون من رؤسائه أو زملائه أو بإعفاء منهم، ولما كان تسليم المبالغ المختلسة على الصورة التي أوردها الحكم، واستظهارها من أدلة الدعوى، وبما لا ينازع الطاعن في صحة ما نقله الحكم عن هذه الأدلة، وهو ما يتلازم معه أن يكون الطاعن أمين عليها، ما دام أنه قد أوتمن بسبب وظيفته على حفظها، فإذا اختلسها - كما هو الحال في الدعوى المطروحة - عد مختلسًا لأموال عامة، ومن ثم فإن منازعة الطاعن حول حقيقة صفته كمندوب تحصيل في الجهة التي جرت فيها واقعة الاختلاس لا يجديه ما دام الحكم قد أثبت في حقه أخذًا بأدلة الثبوت التي أوردها، وعول عليها في قضائه أنه موظف عام، ويشغل وظيفة صراف بمستشفى .... للكبد إحدى مستشفيات .... الجامعي، والتي نقل إليها بالمستشفى اعتبارًا من 1/8/2018 على الدرجة الثانية، وفى هذه الفترة من هذا التاريخ حتى 16/9/2020، وبما لا يماري الطاعن في صحة ما نقله الحكم مما يوفر في حقه صفته كمندوب تحصيل، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد يكون غير سديد. هذا فضلًا عن أن المقرر انه لا يلزم لتجريم الاختلاس في حكم المادة ١١٢ من قانون العقوبات سوى وجود الشيء تحت يد أي موظف أو مستخدم عمومي، ومن في حكمهم مما نصت عليهم المادة ١١١ من القانون المشار إليه، يستوى في ذلك أن يكون قد سلم إليه تسليمًا ماديًا أو أنه يوجد بين يديه بسبب وظيفته، ويعتبر التسليم منتجًا لأثره في اختصاص الموظف متى كان مأمورًا به من رؤسائه، ولو لم يكن في الأصل من طبيعة عمله في حدود الاختصاص المقرر لوظيفته، وكان الاختلاس يتم بمجرد تصرف الموظف في المال المعهود إليه تصرف المالك له بنية إضاعته على ربه، وهو ما أثبته الحكم في حق الطاعن بغير معقب فإن المجادلة فيه لا تصح. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن الدفع بعدم سيطرة الطاعن على الدفاتر محل المبالغ المنسوب للطاعن اختلاسها، وشيوع الاتهام، وأن مرتكبها شخص آخر، وعدم صحة الإسناد، وانتفاء دليل الثبوت، وعدم جدية التحريات من الدفوع الموضوعية التي لا تستلزم من المحكمة ردًا خاصًا اكتفاء بما تورده من أدلة الثبوت التي تطمئن إليها بما يفيد اطراحها، وكان الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه بإدانة الطاعن على أدلة سائغة لها أصلها في الأوراق وتتفق والاقتضاء العقلي والمنطقي، وكان الطاعن لا ينازع في صحة ما نقله الحكم من تلك الأدلة، فإن منعاه في هذا يكون على غير أساس. هذا فضلًا عن أن الحكم قد عرض لدفاع الطاعن بانتفاء صلته بالواقعة، وصحة الإسناد وانتفاء دليل الثبوت، وعدم جدية التحريات، وشيوع الاتهام، واطرحه بردٍ سائغٍ. لما كان ذلك، وكان البين من الاطلاع على محضر جلسة المحاكمة أن الطاعن، ولئن دفع بقصور تحقيقات النيابة العامة، إلا أنه لم يطلب اتخاذ إجراء معين لاستكمال هذا النقص، فإن ما يثيره في هذا الشأن لا يعدو أن يكون تعييبًا للإجراءات السابقة على المحاكمة، وهو ما لا يصح سببًا للطعن على الحكم. لما كان ذلك، وكان وزن أقوال الشهود وتقدير الظروف التي يؤدون فيها شهادتهم وتعويل القضاء على أقوالهم مهما وجه إليها من مطاعن وحام حولها من الشبهات كل ذلك مرجعه إلى محكمة الموضوع تنزله المنزلة التي تراها وتقدره التقدير الذي تطمئن إليه، وهي متى أخذت بشهادتهم، فإن ذلك يفيد أنها اطرحت جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها، فإن منازعة الطاعن في القوة التدليلية لشهادة شهود الإثبات على النحو الذي أثاره في أسبابه إن هو إلا محض مجادلة في تقدير المحكمة لأدلة الدعوى، ومبلغ اطمئنانها إليها مما لا يجوز مصادرتها فيه أو الخوض بشأنه لدى محكمة النقض. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن للمحكمة أن تستغني عن سماع شهود الإثبات إذا ما قبل المتهم أو المدافع عنه ذلك صراحة أو ضمنًا دون أن يحول عدم سماعهم من أن تعتمد في حكمها على أقوالهم التي أدلوا بها في التحقيقات، ما دامت هذه الأقوال مطروحة على بساط البحث، وكان الثابت من محضر جلسة المحاكمة أن النيابة، والدفاع اكتفيا بأقوال الشهود الواردة بالتحقيقات، والمحكمة أمرت بتلاوتها، وتُليت، ولم يثبت أن الطاعن قد اعترض على ذلك، واختتم المدافع عنه مرافعته دون أن يطلب سماع شهود الإثبات، فليس له من بعد أن ينعى على المحكمة قعودها عن سماعهم أو إجراء تحقيق لم يُطلب منها، ولم تر هي من جانبها لزومًا لإجرائه. هذا فضلًا عن أنه لا يدع أنه قد سلك الإجراءات المنصوص عليها في المادة ٢٧٧ من قانون الإجراءات الجنائية المستبدلة بالقانون رقم ١١ لسنة ٢٠١٧ الذي جرت جلسات المحاكمة في ظل سريان أحكامه، ومن ثم فإن منعاه في هذا الصدد لا يكون له محل. لما كان ما تقدم، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعينًا رفضه موضوعًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

