حكم " تسبيبه . تسبيب غير معيب " .
الموجز
نص الحكم
باسم الشعب
محكمة النقـض
الدائــرة الجنائيــة
الأربعاء (أ)
ــــــــــــ
المؤلفة برئاسة السيد القاضي/ عـــــــــــــــــاصم الغايش " نائب رئيـس المحكمة "
وعضوية السادة القضـــــــــــــــاة / محمد هـــــــــــــــــــــلالي جمال حســـــــن جودة
محمد يوســــــــــــــــــــف و د/جــــــــــــون نجيب
" نواب رئيـس المحكمــة "
وحضور رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض السيد/ الأمير جرجس.
وأمين السر السيد / موندي عبد السلام.
في الجلسة المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة.
في يوم الأربعاء الأول من جمادى الأولى سنة 1445ه الموافق 15 من نوفمبر سنة 2023 م.
أصدرت الحكم الآتي:
في الطعن المقيد في جدول المحكمة برقم 4827 لسنة 92 القضائية.
المرفوع من:
.......... " محكوم عليه - طاعــن "
ضـــــــــــد:
النيابة العامة " مطعون ضدها "
ومــــــــــن:
وزير المالية بصفته الرئيس الأعلى لمصلحة الجمارك " طاعن - مدعي بالحق المدني "
ضـــــــــــد:
........ " محكوم عليه – مطعون ضده "
الوقائـــع
اتهمت النيابة العامة كلاً من 1- .......، ٢ - ........، 3- ........ (طاعن) في قضية الجناية رقم ....... لسنة ....... قسم ....... (والمقيدة بالجدول الكلي برقم ....... لسنة .......) بأنهم في غضون الفترة من 16 من أغسطس سنة 2017 حتى 31 من أغسطس سنة 2017 بدائرة قسم شرطة ....... - محافظة .......:
المتهمان الأول والثاني:
1- وحال كونهما موظفان عموميان " الأول مأمور تعريفة جمركية والثاني مدير تعريفة جمركية " بالإدارة المركزية لجمارك ....... غيرا بقصد التزوير موضوع المحررات " استمارات المعاينة وأذون الإفراج الجمركية الخاصة بالبيانات الجمركية محل الواقعة " حال كونهما المختصين وظيفياً بتحريرها بأن جعلا واقعة مزورة في صورة واقعة صحيحة مع علمهما بأمر تزويرها، وكان ذلك بأن أثبت الأول وعلى خلاف الحقيقة نسبة خصم عيار وزن البضائع محل تلك الاستمارات بنسبة أعلى من النسبة المقررة بقرار لجنة المنسوجات المرفق بالأوراق، واعتمدها الثاني وباشر عليها كافة الإجراءات الجمركية وأصدر أذون الإفراج الجمركية فاحتج المتهم الثالث بصحة ما دون فيها من بيانات وأعمل آثارها فيما زورت من أجله مع علمهما بتزويرها وعلى النحو المبين بالتحقيقات.
2- بصفتهما السابقة حصلا بغير حق للمتهم الثالث وآخر مجهول على منفعة من أعمال وظيفتهما بأن مكناهما من تهريب البضائع الأجنبية الصنع مشمول البيانات الجمركية محل الاتهام الأول والمبينة بتقرير لجنة الفحص المرفق بالأوراق وعلى ربح تمثل في فارق قيمة ما تم سداده فعلياً وما كان يجب سداده وتحصيله بأن قدرا قيمة جمركية لتلك البضائع بمبالغ أقل من القيمة المقررة قانوناً وأثبتا نسبة خصم عليها أعلى من النسبة الواجب تقديرها قانوناً وعلى النحو المبين بالتحقيقات.
3- بصفتهما السابقة أضرا عمداً بأموال ومصالح الجهة التي يعملون بها وهي الإدارة المركزية لجمارك ....... بأن ارتكبا الجرائم موضوع الاتهامين السابقين فأضاعا على تلك الجهة رسوماً وجب تحصيلها قانوناً وعلى النحو المبين بالتحقيقات.
المتهم الثالث " الطاعن " :
1- وهو ليس من أرباب الوظائف العمومية اشترك وآخر مجهول بطريق الاتفاق مع المتهمين الأول والثاني على تزوير محررات رسمية (المستندات محل الاتهام الأول) بأن اتجهت إرادتهم إيجاباً وقبولاً على إثبات نسبة خصم عيار الوزن بنسبة أعلى من النسبة المقررة قانوناً الواجب خصمها وفقاً لقرار لجنة المنسوجات المرفق بالأوراق فأثبتها الأول والثاني على خلاف الحقيقة بالمحررات سالفة الذكر فتمت الجريمة بناء على ذلك الاتفاق وعلى النحو المبين بالتحقيقات.
2- استعمل المحررات المزورة موضوع الاتهام الأول " استمارات المعاينة وأذون الإفراج الجمركية الخاصة بالبيانات الجمركية محل الواقعة " بأن قدمها للموظف المختص بالإفراج عنها واحتج بما دون فيها على خلاف الحقيقة وأفرج عن مشمول البيانات الجمركية سالفة الذكر مع علمه بأمر تزويرها وعلى النحو المبين بالتحقيقات.
3- بصفته السابقة اشترك وآخر مجهول بطريق الاتفاق مع المتهمان الأول والثاني على حصولهما بغير حق على منفعة من أعمال وظيفتهما بأن مكناهما من تهريب البضائع الأجنبية مشمول البيانات الجمركية محل الاتهام الأول والمبينة بتقرير لجنة الفحص المرفق بالأوراق وعلى ربح تمثل في فارق قيمة ما تم سداده فعلياً وما كان يجب سداده وتحصيله بأن قدرا قيمة جمركية لتلك البضائع بمبالغ أقل من القيمة المقررة قانوناً وأثبتا نسبة خصم عليها أعلى من النسبة الواجب تقديرها قانوناً فتمت تلك الجريمة بناء على ذلك الاتفاق وعلى النحو المبين بالتحقيقات.
المتهمون جميعاً:
- هربوا بقصد الاتجار البضائع الأجنبية الصنع المبينة وصفاً وقيمة بالأوراق بأن استخدموا المحررات المزورة " موضوع الاتهام الأول " بقصد التخلص من الضرائب والرسوم الجمركية المستحقة عليها وعلى النحو المبين بالتحقيقات.
وأحالتهم إلى محكمة جنايات ....... لمعاقبتهم طبقاً للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة.
ومثل نائب الدولة عن وزير المالية بصفته وطلب القضاء بإلزام المتهمين متضامنين بأداء تعويض وقدره ٤۳۳۸۱۲ جنيهاً.
والمحكمة المذكورة قضت غيابياً بجلسة 6 من سبتمبر سنة 2021 عملاً بالمواد 40/ثانياً، 41/1، 115، 116مكرراً/1، 118، 118 مكرر"أ"/2، 119 بند "أ"، 119 مكرر بند "أ"، 213، 214 من قانون العقوبات، والمواد 1، 2، 3، 4، 5، 12، 30 مكرر، 121/2، 122/1، 2، 4، 6، 124 من القرار بقانون رقم ٦٦ لسنة ١٩٦٣ المعدل بالقوانين أرقام ٧٥ لسنة ۱۹۸۰، ١٧٥ لسنة ۱۹۹۸، ١٦٠ لسنة ۲۰۰٠، 95 لسنة 2005 وقراري وزير المالية رقمي ٥٥١ لسنة ٢٠٠٦، ٤١ لسنة ۲۰۱٦، مع إعمال نص المادة ٣٢ من قانون العقوبات، بمعاقبة ....... ، و ....... ، و ....... بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات وعزل المتهمان الأول والثاني من وظيفتهما لمدة سنة وإلزامهم متضامنين برد مبلغ ( ٤۳۳۸۱۲ ) أربعمائة وثلاثة وثلاثون ألف وثمانمائة وأثنى عشر جنيهاً وتغريمهم مبلغ مساوٍ لمبلغ الرد وبتعويض مساوٍ لمبلغ الرد ومصادرة المحررات المزورة وألزمتهم بالمصاريف الجنائية.
وإذ أُعيدت إجراءات محاكمة المحكوم عليه الثالث أمام ذات المحكمة.
والمحكمة المذكورة قضت حضورياً بجلسة 5 من يناير سنة 2022 عملاً بالمواد 40/ثانياً، 41/1، 115، 116 مكرراً/1، 118، 118 مكرر "أ"/2، 119 بند "أ"، 119 مكرر بند "أ"، 213، 214 من قانون العقوبات والمواد 1، 2، 3، 4، 5، 12، 30 مكرر، 121/2، 122/6،4،2،1، 124 من القرار بقانون رقم ٦٦ لسنة ١٩٦٣ المعدل بقراري وزير المالية رقمي ٥٥١ لسنة ٢٠٠٦، ٤١ لسنة ۲۰۱٦، مع إعمال نص المادة ٣٢ من قانون العقوبات، بمعاقبته بالحبس مع الشغل لمدة سنة واحدة وإلزامه برد مبلغ ٤٣٣٨١٢ جنيهاً وبتغريمه مبلغ مساوٍ لمبلغ الرد وبتعويض جمركي وقدره
" ٤٣٣٨١٢ جنيهاً " ومصادرة المحررات المزورة المضبوطة وألزمته المصاريف الجنائية.
فطعنت هيئة قضايا الدولة بصفتها نائبة عن وزير المالية بصفته – المدعي بالحق المدني - في هذا الحكم بطريق النقض في 27 من فبراير سنة 2022.
كما طعن المحكوم عليه الثالث في هذا الحكم بطريق النقض في الأول من مارس سنة 2022.
وأودعت مذكرتان بأسباب الطعن بالنقض الأولى عن المدعي بالحق المدني في ذات تاريخ طعنه موقع عليها من المستشار/ ....... وكيل هيئة قضايا الدولة، والثانية عن المحكوم عليه الثالث في 6 من مارس سنة 2022 موقع عليها من المحامي/ ........
وبجلسة اليوم سمعت المحكمة المرافعة على ما هو مبين بمحضر الجلسة.
المحكمـة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر والمرافعة، وبعد المداولة قانوناً.
أولاً: الطعن المقدم من المدعي بالحقوق المدنية - وزير المالية بصفته:
وحيث إن الطعن قد استوفى الشكل المقرر له في القانون.
وحيث إن الطاعن المدعي بالحقوق المدنية - وزير المالية بصفته الرئيس الأعلى لمصلحة الجمارك - ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دان المطعون ضده بجرائم الاشتراك في التربح والتزوير في محرر رسمي واستعماله وتهريب البضائع المبينة بالأوراق بقصد الاتجار فيها دون سداد الرسوم الجمركية المستحقة عليها قد شابه الخطأ في تطبيق القانون، ذلك أنه أغفل القضاء بإلزام المطعون ضده بأداء الضريبة الإضافية وفقا لأحكام القانون رقم 67 لسنة 2016 في شأن الضريبة على القيمة المضافة، مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.
وحيث إن الطاعن - وزير المالية بصفته الرئيس الأعلى لمصلحة الجمارك - قد أقام طعنه على سند من أن الحكم المطعون فيه قد أغفل القضاء بإلزام المطعون ضده بأداء الضريبة الإضافية الواجب الحكم بها عن ارتكابه جريمة التهرب من أدائها، والمؤثمة طبقاً لنص المادتين 31، 67 من القانون رقم 67 لسنة 2016 بشأن الضريبة على القيمة المضافة، وكانت الدعوى الجنائية قد أقيمت قبل المطعون ضده عن عدة جرائم ليس من بينها الجريمة المشار إليها ولم ترفع الدعوى الجنائية عنها حسبما يبين من صورة أمر الإحالة الذي خلا وصف ومواد الاتهام الثابتة به من ذكر للقانون المشار إليه، ومن ثم فلا يحق للمحكمة أن تعاقبه عن هذه الجريمة لما هو مقرر بنص المادة 307 من قانون الإجراءات الجنائية من أنه: " لا يجوز معاقبة المتهم عن واقعة غير التي وردت بأمر الإحالة أو طلب التكليف بالحضور "، وكانت المحكمة قد التزمت ذلك النظر، فإن حكمها يكون موافقاً لصحيح القانون، سيما وأن البين من مطالعة الأوراق سبق صدور حكم غيابي على المطعون ضده خلا من إلزامه بأداء الضريبة الإضافية - وما كان بوسعه أن يقضي بها لخلو أمر الإحالة من التهمة المستوجبة للحكم بتلك العقوبة - فلا يجوز التشديد عما قضي به عملاً بنص المادة 395 من قانون الإجراءات الجنائية، فضلاً عن أنه ما كان للمدعي المدني بصفته المثول أمام محكمة إعادة الإجراءات والادعاء مدنياً أمامها بتعويضات لم يقض بها الحكم الغيابي أو بزيادة مقدارها عما قضى به الحكم الغيابي، وهي قاعدة واجبة الإعمال على واقعة الدعوى طالما لم يفصل فيها بحكم بات أصلح للمتهم وفقاً لنص الفقرة الثانية من المادة الخامسة من قانون العقوبات، وهو ما استقر عليه قضاء الهيئة العامة للمواد الجنائية لهذه المحكمة - محكمة النقض - في حكمها الصادر بجلسة 22/3/2022 في الطعن رقم 2790 لسنة 89 قضائية، وهو ما يضحى معه طعن وزير المالية بصفته على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً.
ثانياً: الطعن المقدم من المحكوم عليه/ .......:
من حيث إن الطعن قد استوفى الشكل المقرر في القانون.
ومن حيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجرائم الاشتراك في التربح والتزوير في محرر رسمي واستعماله وتهريب البضائع المبينة بالأوراق بقصد الاتجار فيها دون سداد الرسوم الجمركية والضريبة المستحقة عليها، قد شابه القصور في التسبيب، والفساد في الاستدلال، والإخلال بحق الدفاع، وعابه الخطأ في تطبيق القانون، ذلك بأن أسباب الحكم جاءت في عبارات عامة مجملة خلت من بيان دور الطاعن والأفعال التي أتاها مكتفياً بترديد صيغة الاتهام كما وردت بأمر الإحالة، هذا إلى أنه لم يستظهر أركان الجرائم التي دانه بها وعناصر الاتفاق والمساعدة والأدلة عليها وطرق اشتراكه فيها وعلمه بتزوير المحررات، كما لم تثبت المحكمة بمدونات الحكم وبمحضر جلسة المحاكمة نتيجة اطلاعها على الحرز من بيان وصفة وبياناته ومضمون المحررات المزورة ووجه تغيير الحقيقة فيها، وركن في تقدير القيمة المستحقة للدولة إلى تقرير لجنة شكلها رئيس مصلحة الجمارك دون أن يُعرض ذلك التقرير على الجهاز التنفيذي للمنطقة الحرة بـــــ ....... ، واستند الحكم في إدانة الطاعن على المسئولية الجنائية المفترضة المقررة بنص المادة 44 من القانون رقم 66 لسنة 1963 وهي لا تصلح لذلك إلا في شأن المسئولية المدنية، واتخذ من التحريات دليلاً أساسياً رغم دفعه بعدم جديتها لجهالة مصدرها وإجرائها بعد مرور ثلاث سنوات من ارتكاب الجريمة، هذا إلى أن الواقعة - بفرض صحتها - لا تعدو أن تكون جنحة تندرج تحت نص المادتين 26، 27 من القانون رقم 12 لسنة 1977 وأضاف أن تحقيقات النيابة العامة جاءت قاصرة لعدم استدعاء أصحاب البضائع لسؤالهم رغم أنهم المستفيدون الحقيقيون من جريمة التربح، كما أغفل الرد على دفاعه المسطور المقدم بحافظة المستندات، ولم تقم المحكمة بدورها بسؤال الضابط مجري التحريات بما يخل بمبدأ شفوية المرافعة، وأخيراً التفت الحكم عن دفعه بعدم قبول الدعوى العمومية في جريمة التهرب الجمركي لصدور الإذن بتحريكها من غير المختص قانوناً وبالمخالفة للقانون رقم 12 لسنة 1977. كل ذلك مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه بيّن واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دان الطاعن بها، وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها، وجاء استعراض المحكمة لأدلة الدعوى على نحو يدل على أنها محصتها التمحيص الكافي وألمت بها إلماماً شاملاً يفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة، وكان من المقرر أن القانون لم يرسم شكلاً أو نمطاً يصوغ الحكم فيه بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها فمتى كان مجموع ما أورده الحكم كافياً في تفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة كان ذلك محققاً لحكم القانون، وإذ كانت صيغة الاتهام المبينة في الحكم تعتبر جزءاً منه فيكفي في بيان الواقعة الإحالة عليها، ومن ثم فإن النعي على الحكم بالقصور والإجمال بدعوى اكتفائه بترديد صيغة الاتهام بياناً للواقعة يكون لا محل له. لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه - خلافاً لما يزعمه الطاعن بأسباب طعنه - قد بيّن دوره في ارتكاب الجرائم التي دانه بها والأفعال التي أتاها، ومن ثم فإن ما يثيره في هذا الشأن لا محل له. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن الاشتراك بطريق الاتفاق إنما يكون باتحاد نية أطرافه على ارتكاب الفعل المتفق عليه، وهذه النية أمر داخلي لا يقع تحت الحواس ولا يظهر بعلامات خارجية فمن حق القاضي إذا لم يقم على الاشتراك دليل مباشر أن يستدل عليه بطرق الاستنتاج والقرائن التي تقوم لديه، وكان الحكم المطعون فيه قد دلل بالأسباب السائغة وأورد من الأدلة ما يكشف عن اعتقاد المحكمة باشتراك الطاعن مع المتهمين السابق الحكم عليهما في ارتكاب جرائم التربح والتزوير في محررات رسمية واستعمالها والتهريب الجمركي، فإن هذا حسبه ليستقيم قضاؤه، ذلك أنه ليس على المحكمة أن تدلل على حصول الاشتراك بطريق الاتفاق بأدلة مادية محسوسة بل يكفيها القول بقيام الاشتراك أن تستخلص حصوله من وقائع الدعوى وملابساتها، ما دام في تلك الوقائع ما يسوغ الاعتقاد بوجوده وهو ما لم يخطئ الحكم في تقديره، كما أن من المقرر أنه لا يلزم أن يتحدث الحكم صراحة واستقلالاً عن كل ركن من أركان جريمة التزوير ما دام قد أورد من الوقائع ما يدل عليه، ويتحقق القصد الجنائي في جريمة التزوير في الأوراق الرسمية متى تعمد الجاني تغيير الحقيقة في المحرر مع انتواء استعماله في الغرض الذي من أجله غيرت الحقيقة وليس أمراً لازماً التحدث صراحة واستقلالاً في الحكم عن توافر هذا الركن ما دام قد أورد من الوقائع ما يشهد لقيامه، وكان مؤدى ما أورده الحكم أن الطاعن - وهو ليس من أرباب الوظائف العمومية - اشترك بطريق الاتفاق مع موظفي مصلحة الجمارك في تزوير المحررات الرسمية وهي استمارات المعاينة وأذون الإفراج الجمركية بأن أثبتوا على خلاف الحقيقة نسبة خصم عيار وزن البضائع بنسبة أعلى من النسبة المقررة بقرار لجنة المنسوجات ثم قام الطاعن باستعمال تلك المحررات المزورة بتقديمها إلى الموظف المختص بالإفراج الجمركي وهو عالم بتزويرها محتجاً بما دون فيها وأفرج عن مشمول البيانات الجمركية على هذا الأساس متحصلاً بذلك على منفعة بغير حق تمثلت في الفارق بين قيمة ما تم سداده فعلياً من رسوم وما كان يجب سداده، فإنه لا يكون ملزماً بالتدليل على استقلال على توافر القصد الجنائي لدى الطاعن ما دام أن إثبات وقوع التزوير من الطاعن يلزم عنه أن يتوفر في حقه ركن العلم بتزوير المحررات التي أسند إليه الاشتراك في تزويرها، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الشأن لا يعدو أن يكون جدلاً في واقعة الدعوى وتقدير أدلتها بما لا تجوز إثارته أمام محكمة النقض. لما كان ذلك، وكان البين من الاطلاع على محضر جلسة المحاكمة في الثالث من يناير سنة 2022 أن المحكمة فضت الحرز المحتوي على المستندات موضوع التزوير وفي حضور الطاعن والمدافع عنه ومن ثم، فإنه لم يكن من اللازم إثبات بيانات ومضمون تلك المستندات في صلب الحكم بعد أن ثبت أنها كانت مطروحة على بساط البحث والمناقشة في حضور الخصوم وكان في مكنة الدفاع الاطلاع عليها وإبداء ما يعن له بشأنها في مرافعته ويكون النعي على الحكم في هذا الشأن غير سديد. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن القاضي الجنائي حر في أن يستمد عقيدته من أي دليل مشروع له مأخذه الصحيح في الأوراق، وكان الحكم المطعون فيه قد عوّل في تحديده للقيمة المستحقة للدولة على ما كشف عنه تقرير اللجنة التي صدر بتشكيلها قرار من رئيس مصلحة الجمارك، وهو القرار الصادر عنه في نطاق صلاحياته باعتباره الممثل القانوني لمصلحة الجمارك المنوط بها القيام بأعمال الرقابة الجمركية وإتمام الإجراءات الجمركية اللازمة للإفراج عن البضائع وتحصيل الضرائب والرسوم المستحقة عليها واتخاذ جميع التدابير الكفيلة بمنع التهريب، وكان ما ينازع فيه الطاعن في شأن القيمة التي خلصت إليه أعمال اللجنة واضعة ذلك التقرير مردوداً بأن تقدير آراء الخبراء والفصل فيما يوجه إلى تقاريرهم من اعتراضات ومطاعن مرجعه إلى محكمة الموضوع التي لها كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتلك التقارير، شأنها في هذا شأن سائر الأدلة لتعلق هذا الأمر بسلطتها في تقدير الدليل، وأنها لا تلتزم بالرد على الطعون الموجهة إلى تقارير الخبراء، ما دامت قد أخذت بما جاء بها لأن مؤدى ذلك أنها لم تجد في تلك الطعون ما يستحق التفاتها إليه، وإذ خلا التقرير الذي عوّل عليه قضاء الحكم المطعون فيه مما يبطله، وكان من المقرر أن المحكمة ليست ملزمة بتعقب المتهم في مناحي دفاعه الموضوعي في كل جزئية يثيرها، واطمئنانها إلى الأدلة التي عولت عليها يدل على اطراحها لجميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها دون أن تكون ملزمة بالرد على كل قول يبديه أو حجة يثيرها، إذ الرد يستفاد دلالة من الحكم بإدانته استناداً إلى أدلة الثبوت التي أوردها، فإن ما يثيره الطاعن في طعنه لا يخرج عن كونه جدلاً في واقعة الدعوى ومناقشة أدلة الثبوت فيها مما لا تقبل إثارته أمام محكمة النقض. لما كان ذلك، وكان الثابت من مطالعة الحكم المطعون فيه أنه لم يتحدث عن المسئولية الجنائية المفترضة ولم يورد لها ذكراً بمدوناته - خلافاً لما يزعمه الطاعن بأسباب طعنه - كما لم يشر إلى نص المادة 44 من القانون رقم 66 لسنة 1963 ولم تكن ضمن مواد العقاب التي أخذ الطاعن بها، ومن ثم يضحى منعاه في هذا الشأن وارداً على غير محل. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن المحكمة الموضوع أن تعول في تكوين عقيدتها على تحريات الشرطة باعتبارها معززة لما ساقته من أدلة أساسية في الدعوى، ما دامت تلك التحريات قد عرضت على بساط البحث، ولا يعيب تلك التحريات ألا يفصح مأمور الضبط القضائي عن مصدرها أو عن وسيلته في التحري، وإذ كانت الأدلة والقرائن التي أوردها الحكم من شأنها أن تؤدي إلى ما رتب عليها من ثبوت مقارفة الطاعن الجرائم التي دانه بها، فإن ما يثيره بشأن تعويله على أقوال الضابط معززة بتحرياته رغم عدم جديتها بدعوى أنها تمت بعد فترة طويلة يتمخض دفاعاً موضوعياً قصد به التشكيك في تلك الأدلة ولا يستوجب من المحكمة رداً صريحاً ما دام الرد مستفاداً من أدلة الثبوت السائغة التي أوردها الحكم. لما كان ذلك، وكان ما يثيره الطاعن من منازعة في شأن التكييف القانوني للواقعة وأنها - بفرض صحتها - جنحة تندرج تحت نص المادتين 26، 27 من القانون رقم 12 لسنة 1977، لا محل له لأنه لا يعدو أن يكون نعياً وارداً على سلطة محكمة الموضوع في استخلاص الصورة الحقيقية لواقعة الدعوى أخذاً بأدلة الثبوت التي وثقت بها واطمأنت إليها مما تستقل به بغير معقب ما دام قضاؤها في ذلك سليماً - كما هو الحال في الدعوى المطروحة -. لما كان ذلك، وكان البين من مطالعة محضر جلسة المحاكمة المؤرخ في 3/1/2022 أن من بين ما أبداه الدفاع عن الطاعن أن النيابة العامة لم تقم باستدعاء أصحاب البضائع لسؤالهم عن بوالص الشحن المعرفة من القائم بالاتفاق معهم على إنهاء إجراءات التخليص الجمركي، وذلك دون أن يطلب إلى المحكمة اتخاذ إجراء معين في هذا الخصوص، فإن ما أثاره الدفاع فيما سلف لا يعدو أن يكون تعييباً للتحقيق الذي جرى في المرحلة السابقة على المحاكمة لا يصح أن يكون سبباً للطعن على الحكم، إذ إن من المقرر أن تعييب التحقيق الذي تجريه النيابة العامة لا تأثير له على سلامة الحكم والأصل أن العبرة عند المحاكمة هي بالتحقيق الذي تجريه المحكمة بنفسها وطالما لم يطلب الدفاع منها استكمال ما قد يكون بالتحقيقات الابتدائية من نقص أو عيب فليس له أن يتخذ من ذلك سبباً لمنعاه. هذا فضلاً عن أنه لا يجدي الطاعن ما يثيره من وجود متهمين آخرين في الدعوى لم يتم سؤالهم، طالما أن اتهام هؤلاء الأشخاص لم يكن ليحول دون مساءلة الطاعن عن الجرائم التي دين بها، ومن ثم فإن ما يثيره في هذا الشأن لا يكون قويماً. لما كان ذلك، وكان من المقرر أنه يجب لقبول وجه الطعن أن يكون واضحاً محدداً، وكان الطاعن لم يكشف في أسباب طعنه عن مضمون المستندات وأوجه دفاعه المسطور بحوافظ تلك المستندات والتي ينعى على المحكمة قعودها عن الرد عليها حتى يتضح مدى أهميتها في الدعوى وهل تحوي دفاعاً جوهرياً، مما كان يتعين على المحكمة أن تعرض له وترد عليه أم أنه من قبيل الدفاع الموضوعي الذي يكفي القضاء بالإدانة أخذاً بأدلة الثبوت رداً عليه، بل ساق قوله في هذا الصدد مرسلاً مجهلاً، فإن هذا الوجه من الطعن لا يكون مقبولاً. لما كان ذلك، وكان الثابت من محضر جلسة المرافعة أن النيابة العامة والدفاع اكتفيا بتلاوة أقوال الشهود الواردة بالتحقيقات، والمحكمة أمرت بتلاوتها، وتليت ولم يثبت أن الطاعن اعترض على ذلك أو أنه طلب سماع ثمة شاهد، وترافع الدفاع عنه في موضوع الدعوى وانتهى إلى طلب البراءة، فإن ما يثيره عن عدم شفوية المرافعة لا يقبل منه. لما كان ذلك، وكانت الفقرة الأولى من المادة 27 من القانون رقم 12 لسنة 1977 تنص على أنه : " لا ترفع الدعوى العمومية عن الجرائم التي ترتكب بالمخالفة لأحكام هذا القانون إلا بناء على طلب من رئيس مجلس إدارة المنطقة الحرة المدينة ....... " وكان الثابت من مدونات الحكم المطعون فيه أنه لم يدن الطاعن بأي من الجرائم الناشئة عن مخالفة القانون سالف الإشارة، بل ولم يكن الطاعن متهماً بأي من تلك الجرائم - حسبما هو ثابت من صورة أمر الإحالة المرفق - فيضحى ما يثيره الطاعن من عدم قبول الدعوى الجنائية لتحريكها من غير المختص قانوناً، دفاعاً قانونياً ظاهر البطلان لم يكن الحكم في حاجة للرد عليه أو حتى إيراده. لما كان ذلك، وكانت المادة 118 من قانون العقوبات تنص على أنه: " فضلاً عن العقوبات المقررة للجرائم المذكورة في المواد 112 ، 113/1 ، 113 مكرر/1، 114 ، 115 ، 116، 116 مكرر ، 117/1 يعزل الجاني من وظيفته أو تزول صفته كما يحكم عليه في المواد 112 ، 113/4،2،1 ، 113 مكرر/1 ، 114 ، 115 بالرد وغرامة مساوية لقيمة ما اختلسه أو استولى عليه أو حصله أو طلبه من مال أو منفعة على ألا تقل عن خمسمائة جنيه " وكانت المادة 44 من القانون ذاته تنص على أنه " إذا حكم على جملة متهمين بحكم واحد لجريمة واحدة فاعلين كانوا أو شركاء فالغرامات يحكم بها على كل منهم على انفراد خلافاً للغرامات النسبية فإنهم يكونون متضامنين في الإلزام بها ما لم ينص في الحكم على خلاف ذلك "، وكان من المقرر أن الغرامة النسبية التي نصت عليها المادة 118 من قانون العقوبات وإن كان الشارع قد ربط لها حداً أدنى لا يقل عن خمسمائة جنيه إلا أنها من الغرامات النسبية التي أشارت إليها المادة 44 من القانون سالف الذكر والتي يجب الحكم بها على المتهمين معاً ولا يستطاع التنفيذ عليهم بأكثر من مقدارها المحدد في الحكم سواء في ذلك أن يلزمهم الحكم بهذا المقدار متضامنين أو يخص كل منهم بنصيب منه، بيد أنه لما كان التضامن في الغرامات النسبية طبقاً لصريح نص المادة 44 سالفة البيان مشروطاً بأن يكون قد صدر بها على المتهمين حكم واحد، كما أن المشرع في المادة 118 من قانون العقوبات ألزم بها الجاني بصفة عامة دون تخصيص، وجاءت عبارة المادة 44 مطلقة شاملة للفاعلين أو الشركاء دون تقييد بأن يكون من حكم بها عليه موظفاً أو من في حكمه. لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد دان الطاعن بالاشتراك في جرائم التربح والتزوير في محررات رسمية واستعمالها والتهريب الجمركي وعاقبه بالحبس مع الشغل لمدة سنة وإلزامه برد مبلغ 433812 جنيها وبتغريمه مبلغ مساوٍ لمبلغ الرد وبتعويض جمركي مقداره 433812 جنيهاً ومصادرة المحررات المزورة المضبوطة وألزمته المصاريف الجنائية، وكانت المادة 395 من قانون الإجراءات الجنائية نُص في فقرتها الأولى على أنه إذا حضر المحكوم عليه في غيبته، أو قبض عليه، أو حضر وكيله الخاص وطلب إعادة المحاكمة قبل سقوط العقوبة بمضي المدة، يحدد رئيس محكمة الاستئناف أقرب جلسة الإعادة نظر الدعوى، ويعرض المقبوض عليه محبوساً بهذه الجلسة، وللمحكمة أن تأمر بالإفراج عنه أو حبسه احتياطياً حتى الانتهاء من نظر الدعوى، ولا يجوز للمحكمة في هذه الحالة التشديد عما قضى به الحكم الغيابي. لما كان ذلك، وكان البين من ملف الطعن أن محكمة الجنايات سبق وأن قضت غيابياً على الطاعن والمتهمين الآخرين بإلزامهما معاً بالتضامن بمبلغ الغرامة سالفة البيان ورد مبلغ مساوٍ له، وبتعويض جمركي مثله، ومن ثم فإنه ما كان للحكم المطعون فيه أن يلزم الطاعن وحده بكامل مبلغ الغرامة ورد مثله وكذلك بالتعويض الجمركي المساوي لهما لدى إعادة نظر الدعوى أمام محكمة الجنايات، ولما كان الحكم المطعون فيه - قد خالف هذا النظر - فإنه يكون قد خالف القانون. ولما كانت المادة 35 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقرار بقانون رقم 57 لسنة 1959 تخول محكمة النقض أن تنقض الحكم لمصلحة المتهم من تلقاء نفسها إذا تبين مما هو ثابت به أنه مبني على خطأ في تطبيق القانون - فإن هذه المحكمة - محكمة النقض - وإعمالاً لسلطتها المخولة لها بنص المادة 39 من القانون آنف الذكر تقضي بتصحيحه بإلزامه متضامناً بالمبالغ سالفة الذكر، وهو وشأنه في الرجوع على المتهمين الآخرين ممن يوجب القانون تضامنهم معه في سداد تلك المبالغ بقدر ما عسى أن يكون قد سدده عن كل منهم، وذلك بالإضافة إلى العقوبة السالبة للحرية المقضي بها عليه، ورفض الطعن فيما عدا ذلك.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة:
أولاً: بقبول طعن وزير المالية بصفته شكلاً وفي الموضوع برفضه.
ثانياً: بقبول طعن الطاعن ....... شكلاً وفي الموضوع بتصحيح الحكم المطعون فيه بإلزامه بالتضامن بالمبالغ المقضي بها عليه ورفض الطعن فيما عدا ذلك.

