إثبات " بوجه عام " . حكم " تسبيبه . تسبيب غير معيب " .
الموجز
نص الحكم
باسم الشعب
محكمة النقـــض
الدائــرة الجنائيـــة
دائرة السبت (هـ)
-----
المؤلفة برئاسة السيد القاضي / عمرو فاروق الحناوي نائب رئيس المحكمــــة
وعضوية الســـــــادة القضــــــــــــــاة / خالـــــــــــــد الحـــــــــــادي و محمـــــــــد هديــــــــــــــــــــب
ووائـــــــــــــل الشيمــــــي نواب رئيس المحكمة
ومحمــــــد الوكيـــــــــــــــل
وبحضور رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض السيد / أحمد شملول .
وأمين السر السيد / محمود السجيعي .
في الجلسة العلنية المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة .
في يوم السبت 26 من شعبان سنة 1444 هـ الموافق 18 من مارس سنة 2023 م .
أصدرت الحكم الآتي :
في الطعن المقيد بجدول المحكمة برقـــم 13923 لسنة 90 ق .
المرفوع من
- ……………
- ……….. " المحكوم عليهما - الطاعــنــــين "
ضــــــــــــــــــــــــــد
النيـــــــــــــابة العامــــــــــة " المطعون ضدهــــــــــــا "
الـوقـائـــع
اتهمت النيابة العامة كلاً من :- 1- ………. ، 2- ………. " الطاعنين " في قضية الجناية رقم …….. لسنة ٢٠١٧ مركز ………..( والمقيدة بالجدول الكلي برقم ……… لسنة ٢٠١٧ ………… ) بأنهما في يوم 11 من يناير سنة ۲۰۱۷ بدائرة مركز ……….- محافظة ………..
المتهم الأول :
- قتل / ………… عمداً مع سبق الإصرار والترصد بأن بيَّت النية وعقد العزم على قتله وأعد لهذا الغرض سلاحًا نارياً يدوياً وتربص له في المكان الذي أيقن سلفاً مروره فيه وما أن ظفر به حتى أطلق صوبه عيارين ناريين قاصداً من ذلك قتله فأحدث به الإصابات الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية ، والتي أودت بحياته على النحو المبيَّن بالتحقيقات .
- أحرز بغير ترخيص سلاحًا نارياً غير مششحن (سلاحًا نارياً يدوياً) .
- أحرز ذخائر (طلقتين) استعملها على السلاح الناري آنف البيان حال كونه غير مرخص له بحيازته أو إحرازه .
- أتلف عمداً مالاً منقولاً (السيارة رقم ……… نقل ……… ماركة ……) والمملوكة لوالد المجني عليه / ………. وذلك بأن أطلق صوبها عدة أعيرة نارية مما رتب ضرراً مالياً جاوز قيمة الخمسين جنيها ، وذلك على النحو المبيَّن بتقرير المهندس الفني مما جعل حياة الناس وأمنهم في خطر.
المتهمة الثانية :
- اشتركت بطريقي الاتفاق والمساعدة مع المتهم الأول في قتل المجني عليه (زوجها) وذلك بأن اتفقت على ذلك وأوغرت صدره وبثت في نفسه قتله وساعدته بأن أمدته بخط سيره فوقعت الجريمة بناءً على ذلك الاتفاق وتلك المساعدة .
وأحالتهما إلى محكمة جنايات…….. لمعاقبتهما طبقاً للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة .
وادعى / ………. وهمان والد المجني عليه بوكيل - محام - مدنياً قبل المتهمين بمبلغ عشرة آلاف وواحد جنيه على سبيل التعويض المدني المؤقت .
والمحكمة المذكورة قصت حضورياً في 27 من يوليو سنة 2020 ، عملاً بالمواد ٤٠/ثانياً ، ثالثاً ، ٤١/1 ، ۲۳۰ ، ۲۳۱ ، ۲۳۲ ، ۲۳5 ، 361/1، ۲ من قانون العقوبات ، والمواد ۱/۱ ، ٢٦٦/1 ، ٤ ، ٣٠/1 من القانون رقم ٣٩٤ لسنة ١٩٥٤ المعدل بالقوانين أرقام ۲٦ لسنة ١٩٧٨ ، ١٦٥ لسنة ١٩٨١ ، ٦ لسنة ۲۰۱۲ والجدول رقم (۲) الملحق بالقانون الأول ، والمادة 309/2 من قانون الإجراءات الجنائية ، وبعد إعمال المادتين ١٧، ٣٢/2 من قانون العقوبات ، بمعاقبة كل من / ………… ، ………….. بالسجن المؤبد عما أسند إليهما من اتهام وأمرت بمصادرة المضبوطات وألزمتهما المصاريف الجنائية ، وفي الدعوى المدنية بإحالتها إلى المحكمة المدنية المختصة وأرجأت الفصل في مصاريفها .
وبتاريخ 29 من يوليو سنة ۲۰۲۰ قرر المحكوم عليهما – كل بشخصه من السجن – بالطعن في هذا الحكم بطريق النقض ، وعاد وقرر به المحكوم عليه الأول بتاريخ 10 من أكتوبر سنة ۲۰۲۰ .
وبتاريخ 23 من سبتمبر سنة ۲۰۲١ أودعت مذكرتان بأسباب طعن المحكوم عليهما إحداهما عن المحكوم عليه الأول / ……… موقعاً عليها من المحامي / ……… ، والأخرى عن المحكوم عليها الثانية / ……… موقعاً عليها من المحامي / ……… .
وبجلسة اليوم سُمعت المرافعة على ما هو مبيَّن بمحضر الجلسة .
المحكمـــة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر والمرافعة والمداولة قانوناً :-
حيث إن الطعن قد استوفى الشكل المقرر في القانون .
ومن حيث إن مبنى الطعن هو أن الحكم المطعون فيه إذ دان الطاعن الأول بجريمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد وإحراز سلاح ناري غير مششخن وذخائر مما تستعمل فيه دون ترخيص ، ودان الطاعنة الثانية بجريمة الاشتراك معه في ارتكاب الجريمة سالفة الذكر ، قد شابه القصور والتناقض في التسبيب والفساد في الاستدلال والإخلال بحق الدفاع كما انطوى على خطأ في الإسناد ، ذلك بأنه لم يبين واقعة الدعوى بياناً كافياً تتحقق به أركان الجرائم التي دانهما بها والظروف التي وقعت فيها ، ولم يورد مؤدى الأدلة التي عول عليها في قضائه بالإدانة وأضافت الثانية أنه حصَّل أقوال الشاهد الأول بصورة مبتسرة ، وأحال في بيان أقوال الشاهدين الثاني والثالث إلى ما أورده من أقوال الأول رغم اختلاف أقوالهم ، ولم يدلل تدليلاً كافياً على توافر نية القتل لدى الطاعنين ، واستخلص ظرفي سبق الإصرار والترصد في حقهما بما لا ينتجه ، ولم يستظهر بالنسبة للطاعنة الثانية عناصر الاشتراك في الجريمة ولم يدلل على توافرها في حقها ودون أن يبين كيفية تحريضها للطاعن الأول على ارتكابها ، كما لم يوضح مضمون الاتفاق بينها وبين الطاعن على قتل المجني عليه ، فضلاً عن أن الحكم لم يستظهر رابطة السببية بين فعل الأول والجريمة التي وقعت ، واكتفى بالإشارة إلى نتيجة تقرير الصفة التشريحية دون إيراد مضمونه ومؤداه في بيان جلي ومفصل ، ولم يورد مضمون مذكرة النيابة العامة المرسلة للطب الشرعي ، وعوَّل على أقوال شهود الإثبات رغم تناقضها فيما بينها ومع الدليل الفني والتفت عما أثاره الدفاع في هذا الشأن لاسيما وأن الطاعنة الأولى نازعت في زمن الوفاة ، ولم تعن بإجراء تحقيق لرفع التناقض بين الدليلين القولي والفني ، وتساند في الإدانة إلى تحريات الشرطة رغم عدم جديتها واتخذ منها دليلاً أساسياً في قضائه بالإدانة رغم عدم صلاحيتها لذلك مما ينبئ أنها بنت قضاءها على رأي لسواها وعلى الاعتراف المعزو إلى الطاعنة الثانية بالتحقيقات مطرحاً برد قاصر الدفع ببطلان ذلك الاعتراف لصدوره وليد إكراه مادي ومعنوي وعدم مطابقته للحقيقة والواقع ، والتفت عن طلب ضم الصورة المنسوخة لضابط الواقعة ولكونه وليد قبض باطل وعدولها عنه بالتحقيقات ، فضلاً عن بطلان التحقيقات لعدم حضور محام بالمخالفة لنص المادة ١٢٤ من قانون الإجراءات الجنائية والتفت عن دفاع الأول بعدم معقولية الواقعة وعدم وجود شاهد رؤية وعدم اتهام أهلية المجني عليه له وطلب الاستعلام من شركة المحمول عن الهواتف التي تم منها الاتصال ، ودانه رغم عدم وجود دليل يقيني قبله لاسيما وأن الأصل في الإنسان هو البراءة ، وأورد على لسان الثانية وجود علاقة بينهما بالمخالفة لعدولها عن تلك الأقوال بالتحقيقات مما يؤكد انتفاء صلتها بالواقعة والتفتت عن باقي أوجه دفاعها الجوهرية ولم تجبها إلى طلب استدعاء الطبيبة / …….. ، وأخيراً أفصح عن إعمال المادة ١٧ من قانون العقوبات في حقها إلا أنه لم ينزل بالعقوبة إلى الحد المقرر قانوناً ، كل ذلك مما يعيبه ويستوجب نقضه .
حيث إن الحكم المطعون فيه بيَّن واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دان الطاعنين بها وأورد على ثبوتها في حقهما أدلة استمدها من إقرار الطاعنة الأولى بتحقيقات النيابة العامة وأقوال شهود الإثبات وما أوراه تقرير الصفة التشريحية للطب الشرعي ، وجاء استعراض المحكمة لأدلة الدعوى على نحو يدل على أنها محصتها التمحيص الكافي وألمت بها إلماماً شاملاً يفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة ، وكان من المقرر أن القانون لم يرسم شكلاً أو نمطاً يصوغ فيه الحكم بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها ، ومتى كان مجموع ما أورده الحكم كافياً في تفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة كان ذلك محققا لحكم القانون ، ومن ثم فإن منعى الطاعنين بأن الحكم شابه الغموض والإبهام والاضطراب يكون لا محل له . لما كان ذلك ، وكان من المقرر انه لا يلزم أن يتحدث الحكم صراحة واستقلالا عن كل ركن من أركان جريمة القتل العمد ما دام قد أورد من الوقائع ما يدل عليه ، وكانت الأدلة التي عول الحكم عليها في الإدانة تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها من مقارفة الطاعنين للجريمة التي دانهما بها ، ومن ثم فلا محل لما أثير بشأن قصور الحكم في هذا الشأن . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن قصد القتل أمر خفي لا يدرك بالحس الظاهر وإنما يدرك بالظروف المحيطة بالدعوى والأمارات والمظاهر الخارجية التي يأتيها الجاني وتنم عما يضمره في نفسه واستخلاص هذه النية موكول إلى قاضي الموضوع في حدود سلطته التقديرية ، وكان الحكم المطعون فيه دلل تدليلاً سائغاً وواضحاً على توافر نية القتل في حق الطاعن الأول من قيامه بإعداد سلاح ناري وهو قاتل بطبيعته وتوجهه إلى الطريق العام الذي أيقن سلفاً مروره فيه وما أن ظفر به حتى قام بإطلاق عيارين ناريين على رأس المجني عليه وهو موضع قاتل بطبيعته ، فإن منعى الطاعن في هذا الصدد يكون غير سديد . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن سبق الإصرار حالة ذهنية تقوم بنفس الجاني قد لا يكون لها في الخارج أثر محسوس يدل عليها مباشرة وإنما مستفاد من وقائع وظروف خارجية ويستخلصها القاضي منها استخلاصا مادام موجب هذه الوقائع والظروف لا يتنافر عقلاً مع هذا الاستنتاج ، وإذ كان الحكم المطعون فيه قد كشف عن توافر ظرف سبق الإصرار في حق الطاعن الأول ، وقد ساق لإثباته قبلهم من الأدلة والقرائن ما يكفي لتحققه قانوناً ، ومن ثم فإن منعاه في هذا الخصوص يكون غير سديد ، هذا فضلاً عن أنه لما كانت العقوبة المقضي بها على الطاعن - وهي السجن المؤبد - تدخل في الحدود المقررة لجناية القتل العمد مجردة من أي ظروف مشددة ، فإنه لا يكون له مصلحة فيما يثيره من فساد الحكم في استظهار ظرفي سبق الإصرار والترصد . لما كان ذلك ، وكان يبين من مدونات الحكم المطعون فيه أنه أورد مؤدى أقوال شاهد الإثبات الأول في بيان واف يكفي للتدليل على ثبوت الصورة التي اقتنعت بها المحكمة واستقرت في وجدانها ، ومن ثم ينحسر عنه دعوى القصور في التسبيب . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أنه لا يعيب الحكم أن يحيل في بيان شهادة الشهود إلى ما أورده من أقوال شاهد آخر مادامت أقوالهم متفقة مع ما استند إليه الحكم منها ، ولا يؤثر في هذا النظر اختلاف الشهود في بعض التفصيلات التي لم يوردها الحكم ذلك بأن لمحكمة الموضوع في سبيل تكون عقديها أن تعتمد على ما تطمئن إليه من أقوال الشاهد وأن تطرح ما عداها ، فإن النعي على الحكم في هذا الصدد يكون غير سديد . لما كان ذلك ، وكان الاشتراك بالاتفاق إنما يتكون من اتحاد نية الفاعل والشريك على ارتكاب الفعل المتفق عليه وهذه النية من مخبآت الصدور ودخائل النفس التي لا تقع عادة تحت الحس وليس لها أمارات ظاهرة ، كما أن الاشتراك بالتحريض قد لا تكون له سمات أو شواهد ظاهرة تدل عليه وللقاضي الجنائي إذا لم يقم على الاتفاق أو التحريض دليل مباشر أن يستدل على ذلك بطريق الاستنتاج والقرائن التي تقوم لديه مادام هذا الاستنتاج سائغاً وله من ظروف الدعوى ما يبرره ، وكان الحكم في سرده لوقائع الدعوى ومؤدى أدلة الثبوت فيها قد أورد أن الطاعنة الثانية قد حرضت الطاعن الأول على ارتكاب الجريمة واتفقت معه على ذلك ، وكان ذلك سابقاً على ارتكاب الجريمة التي وقعت فعلاً بناء على تحريضها واتفاقها ، فإن الحكم إذ استخلص من ذلك اشتراك الطاعنة الثانية مع الأول بالاتفاق والتحريض في ارتكاب جريمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد ، فإنه يكون استخلاصاً سائغاً مؤدياً إلى ما قصده الحكم وينحل ما تثيره الطاعنة الثانية في هذا الصدد إلى جدل موضوعي في تقدير الدليل مما تستقل به محكمة الموضوع بغير معقب . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن علاقة السببية في المواد الجنائية علاقة مادية تبدأ بالفعل الذي اقترفه الجاني وترتبط من الناحية المعنوية بما يجب عليه أن يتوقعه من النتائج المألوفة لفعله إذا ما أتاه عمداً ، وهذه العلاقة مسألة موضوعية ينفرد قاضي الموضوع بتقديرها ، ومتى فصل فيها إثباتاً أو نفياً فلا رقابة لمحكمة النقض عليه مادام قد أقام قضاءه في ذلك على أسباب تؤدي إلى ما انتهى إليه ، وكان الحكم المطعون فيه قد نقل عن تقرير الصفة التشريحية للمجني عليه " أن الوفاة تعزى إلى الإصابة النارية بالرأس وما أحدثته من كسور بعظام الجمجمة وتهتك ونزيف بالمخ مما أدى إلى توقف المراكز الحيوية بالمخ " ، فإنه يكون قد بين إصابة المجني عليه واستظهر قيام علاقة السببية بين تلك الإصابة التي أوردها تقرير الصفة التشريحية وبين وفاته ، ومن ثم فإن ما ينعاه الطاعن بشأن قصور الحكم في هذا الشأن لا يكون له محل . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أنه لا ينال من سلامة الحكم عدم إيراده تقرير الخبير بكامل أجزائه ، ومن ثم فإن ما أورده الحكم المطعون فيه من بيان مضمون تقرير الصفة التشريحية للمجني عليه كاف ويحقق مراد المشرع من بيان مؤدى الأدلة وفقاً لنص المادة ٣١٠ من قانون الإجراءات الجنائية ، ويضحى النعي في هذا الصدد غير سديد . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أنه ليس بلازم أن تتطابق أقوال الشاهد ومضمون الدليل الفني على الحقيقة التي وصلت إليها المحكمة بجميع تفاصيلها بل يكفي أن يكون جماع الدليل القولي غير متناقض مع جوهر الدليل الفني تناقضاً يستعصى على الملاءمة والتوفيق - كما هو الحال في الدعوى الراهنة - ويضحى النعي على الحكم في هذا الصدد غير سديد . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن تقدير آراء الخبراء وما يوجه إليها من اعتراضات مرجعه إلى محكمة الموضوع التي لها كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتقرير الخبير المقدم إليها شأنه في ذلك شأن سائر الأدلة ، ومن ثم فإن ما ينعاه الطاعنان في هذا الصدد لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً في تقدير الدليل المستمد من تقرير الخبير ، مما لا يقبل التصدي له أو معاودة الخوض فيه أمام محكمة النقض . لما كان ذلك ، وكان الثابت من الاطلاع على محضر جلسات المحاكمة أن الطاعنين لم يطلبا من المحكمة طلبات التحقيق التي أورداها في أسباب طعنيهما ، فليس لهما من بعد أن ينعيا عليها قعودها عن إجراء تحقيق لم يطلبه منها . لما كان ذلك ، وكانت المحكمة غير مطالبة ببيان مؤدى مذكرة النيابة العامة المرسلة إلى مصلحة الطب الشرعي ، إلا إذا كانت قد استندت إليها في حكمها بالإدانة ، أما إذا كانت لم تعتمد على شيء من تلك المذكرة ، فإنها لا تكون مكلفة بأن تذكر عنها شيئاً ، ومن ثم فإن عدم إيراد المحكمة لمؤدى مذكرة النيابة العامة المشار إليها لا يعيب حكمها ، ما دامت قد أفصحت في مدونات حكمها عن كفاية الأدلة التي أوردتها لحمل قضائها بالإدانة ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعنان في هذا الخصوص لا يكون له محل . لما كان ذلك ، وكان القول بخلو مذكرة النيابة العامة المرسلة إلى الطب الشرعي من تصوير كامل للواقعة ، لا يعدو أن يكون تعييباً للتحقيق الذي جرى في المرحلة السابقة على المحاكمة ، مما لا يصح أن يكون سبباً للطعن على الحكم الطعن . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن لمحكمة الموضوع أن تعول في تكوين عقيدتها على تحريات الشرطة باعتبارها معززة لما ساقته من أدلة ، ما دامت تلك التحريات قد عرضت على بساط البحث ، ولا يعيب تلك التحريات ألا يفصح مأمور الضبط القضائي عن مصدرها أو عن وسيلته في التحري ، وإذ كانت الأدلة والقرائن التي أوردها الحكم من شأنها أن تؤدي إلى ما رتب عليها من ثبوت مقارفة الطاعنين للجرائم التي دينا بها ، فإن ما يثيرانه في هذا الصدد لا يعدو أن يكون جدلاً في واقعة الدعوى وتقدير أدلتها مما تستقل به محكمة الموضوع . لما كان ذلك ، وكان انفراد الضابط بالشهادة لا ينال من سلامة أقواله كدليل في الدعوى ، لما هو مقرر من أن وزن أقوال الشاهد وتقديرها مرجعه إلى محكمة الموضوع تنزلها المنزلة التي تراها وتقدرها التقدير الذي تطمئن إليه بغير معقب ، وهي متى أخذت بشهادته فإن ذلك يفيد أنها أطرحت جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعنان في هذا الصدد لا يكون سديدا . لما كان ذلك ، وكان الحكم قد أقام قضاءه على ما استخلصه من أقوال شهود الإثبات وتقريري الطب الشرعي والتقارير الفنية وإقرار الطاعنة الثانية ، ومن ثم فإنه لم يبن حكمه على رأي لسواه ، ويضحى ما ينعاه الطاعنان في هذا الصدد غير سديد . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن لمحكمة الموضوع أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة أمامها على بساط البحث الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدي إليه اقتناعها وأن تطرح ما يخالفها من صور أخرى مادام استخلاصها سائغاً مستنداً إلى أدلة مقبولة في العقل والمنطق ولها أصلها في الأوراق ، وأن وزن أقوال الشهود وتقديرها مرجعه إلى محكمة الموضوع تنزله المنزلة التي تراها وتقدره التقدير الذي تطمئن إليه بغير معقب ، ومتى أخذت بأقوال الشاهد فإن ذلك يفيد إطراحها لجميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها ، وأن التناقض بين أقوال الشهود وعلى فرض حصوله لا يعيب الحكم مادام قد استخلص الإدانة من أقوالهم استخلاصًا سائغاً لا تناقض فيه - كما هو الحال في الدعوى المطروحة - . لما كان ذلك ، وكان من المقرر من المقرر أن الاعتراف في المسائل الجنائية عنصر من عناصر الاستدلال التي تملك محكمة الموضوع كامل الحرية في تقدير صحتها وقيمتها في الإثبات فلها تقدير عدم صحة ما يدعيه المتهمان من أن اعترافاتهما نتيجة إكراه بغير معقب عليها ما دامت تقيمه على أسباب سائغة - كما هو الحال في الدعوى الراهنة - ولا يغير من ذلك عدول الطاعنة عن اعترافها وإنكارها بجلسة المحاكمة الاتهام المسند إليها ، إذ إن المقرر أنه لا على الحكم إن أخذ باعتراف المتهم في تحقيقات النيابة العامة لبراءته مما يشوبه من عيب الإكراه واطمئنانا من المحكمة إلى صدقه ومطابقته للواقع ولو عدل عنه بعد ذلك ، وكان من المقرر ذلك أن مجرد حضور الضابط التحقيق ليس فيه ما يعيب إجراءاته إذ إن سلطان الوظيفة في ذاته بما يسبغه على صاحبه من اختصاصات وإمكانيات لا يعد إكراها ما دام هذا السلطان لم يستطل على المتهم بالأذى مادياً أو معنوياً كما أن مجرد الخشية لا يعد قرين الإكراه المبطل للاعتراف لا معنى ولا حكماً ، ويضحى النعي على الحكم في هذا الصدد غير سديد . لما كان ذلك ، وكان لا جدوى من النعي على الحكم بالقصور في الرد على الدفع ببطلان القبض على الطاعن مادام البين من الواقعة كما صار إثباتها في الحكم ومن استدلاله أن الحكم لم يستند في الإدانة إلى دليل مستمد من القبض المدعى ببطلانه ، وإنما أقام قضائه على الدليل المستمد من أقوال شهود الأثبات وأدله أخرى مستقلة عن القبض ، فإن النعي على الحكم في هذا الصدد يكون غير قويم . لما كان ذلك ، وكانت المادة ١٢٤ من قانون الإجراءات الجنائية قد نصت على أنه " في غير أحوال التلبس وحال السرعة بسبب الخوف من ضياع الأدلة لا يجوز للمحقق في الجنايات أن يستجوب المتهم أو يواجهه بغيره من المتهمين أو الشهود إلا بعد دعوة محامية للحضور إن وجد ، وعلى المتهم أن يعلن اسم محاميه بتقرير يكتب في قلم كتاب المحكمة أو إلى مأمور السجن ، كما يجوز لمحاميه أن يتولى هذا الإقرار أو الإعلان ، وكان مفاد هذا النص أن المشرع تطلب ضمانة خاصة لكل متهم في جناية هي وجوب دعوة محاميه إن وجد لحضور الاستجواب أو المواجهة فيما عدا حالة التلبس وحالة السرعة بسبب الخوف من ضياع الأدلة وذلك تضميناً للمتهم وصوناً لحرية الدفاع عن نفسه ، وللتمكن من دعوة محامي المتهم تحقيقاً لهذه الضمانة العامة يجب على المتهم أن يعلن اسم محاميه بتقرير في قلم كتاب المحكمة أو إلى مأمور السجن أو أن يتولى محاميه هذا الإقرار أو الإعلان ، وإذ لم يزعم الطاعن أنه عين محاميا عنه وقت استجوابه أو أن محاميه تقدم للمحقق مقرراً الحضور معه وقت هذا الاستجواب ، فإن ما ينعاه الطاعن في هذا الصدد يكون على غير أساس من القانون . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أنه بحسب الحكم كيما يتم تدليله ويستقيم قضاؤه أن يورد الأدلة المنتجة التي صحت لديه على ما استخلصه من وقوع الجريمة المسندة إلى الطاعن ولا عليه أن يتعقبه في كل جزئية من جزئيات دفاعه لأن مفاد التفاته عنها أنه أطرحها ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن من عدم وجود شاهد رؤية وانتفاء صلته بالواقعة وعدم وجود دليل يقيني يكفي للإدانة لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً في تقدير الدليل وفي سلطة محكمة الموضوع في وزن عناصر الدعوى واستنباط معتقدها وهو ما لا تجوز إثارته أمام محكمة النقض . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن طلب الاستعلام من شركة المحمول أو ضم قضية بقصد إثارة الشبهة في أدلة الثبوت التي اطمأنت إليها المحكمة هو طلب لا يتجه مباشرة إلى نفي الفعل المكون للجريمة ، فلا على المحكمة إن هي أعرضت عنه والتفتت عن إجابته ، وهو لا يستلزم منها عند رفضه رداً صريحاً . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن افتراض براءة المتهم وصون الحرية الشخصية من كل عدوان عليها أصلان كفلهما الدستور بالمادتين ٥٤ ، ٩٦ منه ، فلا سبيل لدحض أصل البراءة بغير الأدلة التي تقيمها النيابة العامة وتبلغ قوتها الإقناعية مبلغ الجزم واليقين مثبتة بها الجريمة التي نسبتها إلى المتهم في كل ركن من أركانها وبالنسبة لكل واقعة ضرورية لقيامها ، وبغير ذلك لا ينهدم أصل البراءة ، إذ هو من الركائز التي يستند عليها مفهوم المحاكمة المنصفة وهذا القضاء تماشيا مع ما نصت عليه المادة ٩٦ من الدستور من أن ( المتهم برئ حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه ) ومفاد هذا النص الدستوري أن الأصل في المتهم البراءة وأن إثبات التهمة قبله يقع على عاتق النيابة العامة ، فعليها وحدها عبء تقديم الدليل ولا يلزم المتهم بتقديم أي دليل على براءته ، كما لا يملك الشارع أن يفرض قرائن قانونية لإثبات التهمة أو لنقل عبء الإثبات على عاتق المتهم ، ولما كان الثابت من محاضر جلسة المحاكمة أن الطاعن - في الدعوى الماثلة - قد واجه الأدلة التي قدمتها النيابة العامة ، وكفلت له المحكمة الحق في نفيها بالوسائل التي قدر مناسبتها وفقاً للقانون ، وقد حضر معه محامي للدفاع عنه ترافع في الدعوى وأبدى ما عن له من أوجه الدفاع فيها ثم قضت المحكمة - من بعد - بإدانته تأسيساً على أدلة مقبولة وسائغة ولها أصلها في الأوراق وتتفق والاقتضاء العقلي ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن في هذا المنحى يضحى تأويلاً غير صحيح للقانون . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن الخطأ في الإسناد لا يعيب الحكم ما لم يتناول من الأدلة ما يؤثر في عقيدة المحكمة ، وكان البين من الحكم المطعون فيه أن ما تنعاه عليه الطاعنة الثانية من خطئه في الإسناد فيما أورده الحكم في مجال تحصيله لواقعة الدعوى - على النحو الذي أشار إليه في أسباب طعنه - وعلى فرض وجوده لم يكن له أثر في منطق الحكم واستدلاله على ارتكاب الطاعنة للحادث ، فإن ما تثيره في هذا النعي لا يكون مقبولاً . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أنه يجب لقبول وجه الطعن أن يكون واضحاً محدداً ، وكان الطاعن لم يبين ماهية أوجه الدفاع التي أبداها وذلك لمراقبة ما إذا كان الحكم قد تناولها بالرد من عدمه وهل كان الدفاع جوهرياً مما يجب على المحكمة أن تجيبه أو ترد عليه أم هو من قبيل الدفاع الموضوعي الذي لا يستلزم من الأصل رداً بل يعتبر الرد عليه مستفاداً من القضاء بالإدانة للأدلة التي أوردتها المحكمة في حكمها ، فإن ما تثيره الطاعنة في هذا الصدد لا يكون مقبولاً . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن المحكمة غير ملزمة بإجابته أو الرد عليه إلا إذا كان طلباً جازماً أما الطلبات التي تبدى من باب الاحتياط فللمحكمة إن شاءت أن تجيبها وإن رفضت أن تطرحها من غير أن تكون ملزمة بالرد عليها ، ومن ثم فلا محل لتعييب الحكم في هذا الصدد . لما كان ذلك ، وكان البين من الحكم المطعون فيه أنه بعد أن انتهى إلى إدانة الطاعنة الثانية بجريمة الاشتراك في قتل المجني عليه عمداً مع سبق الإصرار والترصد المنصوص عليها في المادة ٢٣٥ من قانون العقوبات مفصحاً عن استعمال المادة ١٧ منه أنزل بها عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة . لما كان ذلك ، وكانت العقوبة المقررة لجريمة الاشتراك في القتل الذي يستوجب الحكم على فاعله بالإعدام هي الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة طبقاً للمادة ٢٣٥ من قانون العقوبات ، وكانت المادة ١٧ من القانون آنف الذكر - التي أعملها الحكم في حق الطاعنين جميعاً - تبيح النزول بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة إلى عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة أو السجن ، وأنه وإن كان هذا النص يجعل النزول بالعقوبة المقررة للجريمة إلى العقوبة التي أباح النزول إليها جوازياً ، إلا أنه يتعين على المحكمة إذا ما رأت أخذ المتهم بالرأفة ومعاملته طبقاً للمادة ١٧ المشار إليها ، ألا توقع العقوبة إلا على الأساس الوارد في هذه المادة باعتبار أنها حلت بنص القانون محل العقوبة المنصوص عليها فيه للجريمة محل الاتهام . وإذ كان ذلك ، وكان الحكم قد أفصح عن معاملة الطاعن المذكور طبقاً للمادة 17 من قانون العقوبات وأوقع عليه عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة ، وهي إحدى العقوبتين التخييريتين المقررتين لجريمة الاشتراك في القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد التي دينت الطاعنة الثانية بها طبقاً للمادة ۲۳٥ من قانون العقوبات ، فإنه يكون قد خالف القانون ، إذ كان عليه أن ينزل بعقوبة السجن المؤبد إلى عقوبة السجن المشدد أو السجن . لما كان ذلك ، فإنه يتعين إعمالاً لنص المادة ٣٩ من القانون رقم ٥٧ لسنة ١٩٥٩ المعدل بشأن حالات وإجراءات الطعن بالنقض تصحيح الحكم باستبدال عقوبة السجن المشدد لمدة خمس عشرة سنة بعقوبة السجن المؤبد المقضي بها على الطاعنة الثانية ، ورفض الطعن فيما عدا ذلك .
فلهــــــــــذه الأسبــــــــــاب
حكمت المحكمة: - أولاً :- بقبول الطعن المقدم من الطاعن الأول شكلاً ، وفي الموضوع برفضه ، ثانياً :- قبول الطعن المقدم من الطاعنة الثانية شكلاً ، وبتصحيح الحكم المطعون فيه بجعل العقوبة السالبة للحرية المقضي بها عليها السجن المشدد لمدة خمس عشرة سنة ، ورفض الطعن فيما عدا ذلك .

