إثبات " بوجه عام " . استدلالات . دفاع " الإخلال بحق الدفاع . ما لا يوفره " . نقض " المصلحة في الطعن " " أسباب الطعن . ما لا يقبل منها " .
الموجز
النعي بشأن التحريات . غير مجد . ما دام الحكم لم يعول عليها في الإدانة .
نص الحكم
باسم الشعب
محكمة النقض
الدائرة الجنائية
الأربعاء ( ج )
المؤلفة برئاسة السيد القاضي / وجيه أديب نائب رئيس المحكمة
وعضوية السادة القضاة / مجدي عبد الرازق و طارق بهنساوي
ومحمود عمر و ممدوح فزاع
نواب رئيس المحكمة
وحضور رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض السيد / صالح حجاب .
وأمين السر السيد / يسري ربيع .
في الجلسة العلنية المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة .
في يوم الأربعاء 28 من جمادى الآخرة سنة 1437 ه الموافق 6 من أبريل سنة 2016 م .
أصدرت الحكم الآتي :
في الطعن المقيد بجدول المحكمة برقم 19253 لسنة 84 القضائية .
المرفوع من :
محمد حسن أحمد محمد الطيب " المحكوم عليه - الطاعن "
ضد
النيابة العامة " المطعون ضدها "
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعن فى قضية الجناية رقم 30600 لسنة 2012 جنايات سيدي سالم ( المقيدة برقم 1118 لسنة 2012 كلي كفر الشيخ ) .
بأنه فى يوم 28 من أغسطس سنة 2011 بدائرة مركز سيدي سالم - محافظة كفر الشيخ :
1- قتل وآخر مجهول المجني عليه / محمود محمد حامد كرد عمداً بغير سبق إصرار ولا ترصد بأنه وحال استقلاله مركبة صيد رفقة شقيقه / محمد محمد صادق ونجله / محمد محمود محمد كرد لمزاولة مهنتهم الصيد بجزيرة الحماصي بحيرة البرلس فاعترض سبيلهما بمركب صيد استقلالهما قيادة ذلك المجهول شاهراً المتهم سلاحاً نارياً " آلي رصاص " فى مواجهتهم آمراً إياهم بإيقاف محرك المركب خاصتهم وبسؤاله للمجني عليه عن سبب تواجدهم بمكان الواقعة فوجس فى نفسه خيفة منه مطالب شقيقه بسرعة الفرار خشية إلحاق ثمة أذى بهم فأطلق صوبه عدة أعيرة نارية استقرت إحداها بصدره قاصداً إزهاق روحه فأحدث به الإصابات الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية التي أودت بحياته إبان تواجد ذلك المجهول بمكان الواقعة للشد من أزره ومساندته لإتمام جريمته على النحو المبين بالتحقيقات .
2- أحرز سلاحاً نارياً مششخناً " آلي رصاص " مما لا يجوز ترخيصه على النحو المبين بالتحقيقات .
3- أحرز ذخائر مما تستعمل فى السلاح الناري محل الاتهام السابق دون أن يرخص له بحيازته أو إحرازه على النحو المبين بالتحقيقات .
وأحالته إلى محكمة جنايات كفر الشيخ لمحاكمته طبقاً للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة .
وادعى ورثة المجني عليه مدنياً قِبل المتهم بالتعويض المدني المؤقت .
والمحكمة المذكورة قضت حضورياً فى 20 من أبريل سنة 2014 عملاً بالمادة 234/1 من قانون العقوبات والمواد 1/1 ، 6 ، 25 مكرر /5،3 من القانون رقم 394 لسنة 1954 المعدل بالقانونين رقمي 26 لسنة 1978 ، 165 لسنة 1981 والبند " ب " من القسم الثاني من الجدول رقم 3 المرفق بالقانون الأول ، مع إعمال المادة 32 من قانون العقوبات ، بمعاقبته بالسجن المؤبد عن الاتهام المسند إليه وأمرت بإحالة الدعوى المدنية للمحكمة المختصة .
فطعن المحكوم عليه فى هذا الحكم بطريق النقض فى 26 من أبريل سنة 2014 ، وأودعت ثلاث مذكرات بأسباب الطعن فى 15 ، 17 من يونيه سنة 2014 موقع عليهم من الأساتذة / بهاء الدين أبو شقة ، ماهر نعيم عطا الله ومدحت عبد العاطي بدوي المحامين .
وبجلسة اليوم سَمعت المحكمة المرافعة على ما هو مبيَّن بمحضر الجلسة .
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر والمرافعة وبعد المداولة قانوناً .
حيث إن الطعن استوفى الشكل المقرر له قانوناً .
وحيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجرائم القتل العمد وإحراز سلاح ناري مششخن " بندقية آلية " وذخائر مما تستعمل عليه مما لا يجوز الترخيص بإحرازهما قد شابه القصور والتناقض فى التسبيب والفساد فى الاستدلال وانطوى على خطأ فى الإسناد والإخلال بحق الدفاع ، ذلك بأن الحكم جاء قاصراً فى بيان واقعة الدعوى ومؤدى الأدلة التي عول عليها فى قضائه بالإدانة بياناً كافياً تتحقق به أركان الجرائم التي دانه بها ، هذا وقد دلل الحكم على توافر نية القتل فى حق الطاعن بما لا يصلح سند لقيامها وملتفتاً عن دلالة ما أورده فى هذا الشأن ، كما عول الحكم فى الإدانة على الدليل المستمد من تقرير الصفة التشريحية دون إيراد كامل مضمونه ولم يفطن الحكم لتناقض التقرير مع أقوال شاهد الإثبات الثاني فى شأن مدى الإطلاق وعدم جزم التقرير بجواز اتفاق الدليل الفني والصورة التي قال بها شهود الواقعة ولم يعن الحكم باستظهار رابطة السببية بين فعل الطاعن والنتيجة ، هذا وقد اعتنق الحكم تصويراً للواقعة يخالف العقل والمنطق ملتفتاً عن دفاع الطاعن من أن للواقعة صورة أخرى ، وأن المحكمة لم تجر تحقيقاً فى شأن منازعته فى صورة الواقعة وتوافر نية القتل ، هذا وقد عول الحكم على شهادة شهود الإثبات رغم اختلاف أقوال الشاهد الأول وتعدد رواياته فى التحقيقات فى شأن شخص مرتكب الواقعة وتناقضها وباقي الشهود ، كما أحال الحكم فى بيان مضمون شهادة الشاهد الثاني لما شهد به الشاهد الأول على الرغم من اختلاف أقوالهم ورغم أن الشاهدين الأول والثاني لم يشاهدا الواقعة وقت حدوثها كما أن أقوال الشاهد الأول جاءت سماعية ، هذا ولم يعرض الحكم الدفاع الطاعن بنفي الصلة بالواقعة بدلالة المستندات المقدمة منه بجلسة المحاكمة والتي تنفي وجوده على مسرح الجريمة ، هذا ولم يفطن الحكم لما جاء بتحريات المباحث والتي تناقض أقوال الشهود بعدم توصلها لخلافات بين الطاعن والمجني عليه وحقيقة الواقعة ، ولم يتفطن الحكم إلى ما شاب عملية التعرف على الطاعن من بطلان فى الإجراءات ، وعاقبه بعقوبة السجن المؤبد رغم عدم ضبط السلاح الآلي المستخدم فى الجريمة ، هذا ولم تجر المحكمة تحقيقاً لسماع شهود الإثبات ومناقشتهم رغم تمسك الدفاع بذلك ، ولم تطلع المحكمة على الأحراز وتثبت بياناته وتناقشه ، كما أن الطاعن لم يحظ بدفاع جدي ، كل ذلك مما يعيب الحكم بما يستوجب نقضه .
وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دان الطاعن بها وأورد على ثبوتها فى حقه أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها استقاها من أقوال شهود الإثبات محمد محمد حامد محمد كرد ، محمد محمود محمد كرد ، عبد ربه سعد محمد القاضي ، وما ثبت بتقرير الصفة التشريحية ، وتعرف الشاهد الأول والثاني على المتهم بالتحقيقات ، وجاء استعراض المحكمة لأدلة الدعوى على نحو يدل على أنها محصتها التمحيص الكافي وألمت بها إلماماً شاملاً يفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة ، لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن القانون لم يرسم شكلاً أو نمطاً يصوغ فيه الحكم بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها ، ومتى كان مجموع ما أورده الحكم كافياً فى تفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة فإن ذلك يكون محققاً لحكم القانون .
لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن قصد القتل أمر خفي لا يدرك بالحس الظاهر وإنما يدرك بالظروف المحيطة بالدعوى والأمارات والمظاهر التي يأتيها الجاني وتنم عما يضمره فى نفسه واستخلاص هذا القصد من عناصر الدعوى موكل إلى قاضي الموضوع فى حدود سلطتها التقديرية ، لما كان ذلك ، وكان الحكم تحدث عن نية القتل استقلالاً كما عرض لها فى صدر بيان الواقعة ، فإن ما أورده الحكم فى ذلك كاف وسائغ للتدليل على ثبوت تلك النية كما هي معرفة به فى القانون .
لما كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد أورد تقرير الصفة التشريحية للمجني عليه وأبرز ما جاء به من أنه " ثبت أن إصابة المجني عليه / محمود محمد حامد بالصدر من الإصابات النارية الحيوية نتجت من طلق ناري معمر بمقذوف مفرد الذي وجد مستقراً بالجثة وتم استخراجه أطلق من سلاح من ذات العيار وتعزى الوفاه لتلك الإصابة وما أحدثته من تهتكات بالرئتين والعمود الفقري ونزيف داخلي وخارجي غزير وصدمه ... " ، فإن ما ينعاه الطاعن بعدم إيراد مضمون تقرير الصفة التشريحية بصورة وافية لا يكون له محل ، لما هو مقرر أنه لا ينال من سلامة الحكم عدم إيراد نص تقرير الخبير بكامل أجزائه ، لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن تقدير آراء الخبراء والفصل فيما يوجه إلى تقاريرهم من اعتراضات مرجعه إلى محكمة الموضوع التي لها كامل الحرية فى تقدير القوة التدليلية لتلك التقارير لتعلق هذا الأمر بسلطتها فى تقدير الدليل ولها أن تجزم بما لم يجزم به الخبير ما دامت الوقائع فى الدعوى قد أيدت ذلك عندها وأيدته لديها وهو ما لم يخطئ الحكم فى تقديره مما يصبح معه النعي على الحكم فى هذا الصدد غير مقبول .
لما كان ذلك ، وكان من المقرر أنه ليس بلازم أن تطابق أقوال الشهود مضمون الدليل الفني بل يكفي أن يكون جماع الدليل القولي غير متناقض مع الدليل الفني تناقضاً يستعصى على المواءمة والتوفيق ، وكان الدليل المستمد من أقوال شهود الإثبات الذي أخذت به محكمة الموضوع واطمأنت إليه غير متعارض والدليل المستمد من تقرير الصفة التشريحية ، ومن ثم فإن النعي بأن ما انتهى إليه تقرير الصفة التشريحية من الإطلاق تجاوز مدى الإطلاق القريب يتعارض مع ما جاء بأقوال شهود الإثبات يكون على غير محله .
لما كان ذلك ، وكان الثابت من مدونات الحكم المطعون فيه أنه استظهر قيام علاقة السببية بين إصابات المجني عليه التي أورد تفاصيلها عن تقرير الصفة التشريحية وبين وفاته فأورد من واقع ذلك التقرير أن وفاة المجني عليه تعزى لإصاباته بطلق ناري وما أحدثه من تهتكات بالرئتين والعمود الفقري ونزيف داخلي وخارجي غزير وصدمه ، فإنه ينحسر عن الحكم ما يثيره الطاعن من قصور فى هذا الشأن .
لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن من حق محكمة الموضوع أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة أمامها على بساط البحث الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدي إليه اقتناعها وأن تطرح ما يخالفها من صور أخرى ما دام استخلاصها سائغاً مستنداً إلى أدلة مقبولة فى العقل والمنطق ولها أصلها فى الأوراق - كما هو الحال فى الدعوى المطروحة - لما كان ذلك ، وكان لا يشترط فى شهادة الشهود أن تكون واردة على الحقيقة المراد إثباتها بأكملها وبجميع تفاصيلها على وجه دقيق بل يكفي أن يكون من شأن تلك الشهادة أن تؤدي إلى هذه الحقيقة باستنتاج سائغ تجرية محكمة الموضوع يتلاءم به ما قاله الشهود بالقدر الذي رووه مع عناصر الإثبات الأخرى المطروحة أمامها ، كما أنه من المقرر قانوناً أنه لا يلزم النص الكامل لأقوال الشاهد الذي اعتمد عليها الحكم بل يكفي أن يورد مضمونها ، ولا يقبل النعي على المحكمة إسقاطها بعض أقوال الشاهد ؛ لأن فيما أوردته منها وعولت عليه ما يعني أنها اطرحت ما لم تشر إليه منها لما للمحكمة من حرية فى تجزئة الدليل والأخذ منه بما ترتاح إليه والالتفات عما لا ترى الأخذ به ما دام أنها قد أحاطت بأقوال الشاهد ومارست سلطتها فى تجزئتها بغير بتر لفحواها أو مسخ لها بما يحيلها عن معناها أو يحرفها عن مواضعها - كما هو الحال فى الدعوى المطروحة - ومن ثم فإن ما ينعاه الطاعن على الحكم من إغفاله تحصيل بعض أقوال الشهود على النحو الذي يردده بأسباب طعنه لا يكون له محل .
لما كان ذلك ، وكان تناقض الشهود أو تضاربهم فى أقوالهم وتعدد روايتهم لا يعيب حكمها أو يقدح فى سلامته ما دام استخلص الحقيقة من أقوالهم استخلاصاً سائغاً لا تناقض فيه ، وكان لمحكمة الموضوع أن تأخذ بأقوال الشاهد فى أيه مرحلة من مراحل التحقيق أو المحاكمة دون أن تبين العلة فى ذلك ، وكان وزن أقوال الشهود وتقدير الظروف التي يؤدون فيها شهادتهم وتعويل القضاء على أقوالهم مرجعه إلى محكمة الموضوع دون رقابة عليها من محكمة النقض ، وكان لا يلزم أن تكون الأدلة التي اعتمد عليها الحكم بحيث ينبئ كل دليل منها ويقطع فى كل جزئية من جزئيات الدعوى إذ الأدلة فى المواد الجنائية متساندة يكمل بعضها بعضاً ومنها مجتمعة تتكون عقيدة المحكمة ، وإذا كانت المحكمة قد اعتنقت تصوير شهود الإثبات للواقعة على النحو الذي اعتنقت به ، فإن ما يثيره الطاعن بأن فى هذا الشأن لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً فى سلطة المحكمة فى اعتقادها وفي تقديرها الأدلة التي عولت عليها مما لا يجوز مصادرتها فيه أو إثارته أمام محكمة النقض ، هذا فضلاً من أنه يبين من محضر جلسة المحاكمة أن أياً من الطاعن أو المدافع عنه طلب إلى المحكمة إجراء تحقيق فى شأن المنازعة فى صورة الواقعة وتوافر نية القتل - على نحو ما يدعيه بأسباب طعنه - فليس له من بعد النعي على المحكمة قعودها عن إجراء تحقيق لم يطلب منها ولم تر هي من جانبها لزوماً لإجرائه ، ومن ثم فإن النعي على الحكم فى هذا الصدد يكون غير مقبول .
لما كان ذلك ، وكان من المقرر أنه لا يعيب الحكم أن يحيل فى بيان شهادة الشهود إلى ما أورده من أقوال شاهد آخر ما دامت أقوالهم متفقة مع ما استند إليه الحكم منها ، لما كان ذلك ، وكان الطاعن لا يجادل فى أن ما نقله الحكم من أقوال الشاهد الأول له أصله الثابت فى الأوراق ولم يخرج الحكم عن مدلول شهادته فلا ضير على الحكم من بعد إحالته فى بيان أقوال الشاهد الثاني إلى ما أورده من أقوال الشاهد الأول ما دام أن الطاعن لا يجادل فى أن شهادة الثاني كانت نقلاً عن الأول متى تبينت المحكمة صحتها - كما هو الحال فى الدعوى الراهنة - ولا يؤثر فى هذا النظر اختلاف الشهود فى بعض التفصيلات التي لم يوردها الحكم ، ذلك أن لمحكمة الموضوع فى سبيل تكوين عقيدتها تجزئة أقوال الشاهد والأخذ منها بما تطمئن إليه واطراح ما عداها دون أن يعد هذا تناقضاً فى حكمها إذ أن مفاد إحالة الحكم فى بيان أقوال الشاهد الثاني إلى ما حصله من أقوال الشاهد الأول فيما اتفقا فيه أنه التفت عن هذه التفصيلات مما ينحسر عن الحكم دعوى القصور والتناقض فى التسبيب .
لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن القانون لا يمنع المحكمة من الأخذ برواية ينقلها شخص عن آخر متى رأت أن تلك الأقوال قد صدرت منه حقيقة وكانت تمثل الواقع فى الدعوى ، فإن ما يثيره الطاعن فى هذا الصدد يضحى ولا محل له .
لما كان ذلك ، وكان نفي الصلة بالواقعة وإنكار التهمة من أوجه الدفاع الموضوعية التي لا يستوجب فى الأصل من المحكمة رداً صريحاً ما دام الرد مستفاد ضمناً من القضاء بالإدانة استناداً إلى أدلة الثبوت التي يوردها الحكم ، وأن تقدير أدلة الدعوى من إطلاقات محكمة الموضوع التي لها أن تكون عقيدتها من كافة عناصر الدعوى المطروحة على بساط البحث ، فإن ما ينعاه الطاعن فى هذا الصدد لا يكون محل .
لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن الأدلة فى المواد الجنائية إقناعية وللمحكمة أن تلتفت عن دليل النفي ولو حملته أوراق رسمية ما دام يصح فى العقل أن يكون غير ملتئم مع الحقيقة التي اطمأنت إليها من باقي الأدلة فى الدعوى ، ولها أيضاً أن تعرض عن قالة شهود النفي ما دامت لا تثق بما شهدوا به وهي غير ملزمة بالإشارة إلى أقوالهم ما دامت لم تستند إليها ، كما أنها لا تلتزم بالرد صراحة على أدلة النفي التي يتقدم بها ، إذ بحسب الحكم كيما يتم تدليله ويستقيم قضاؤه أن يورد الأدلة المنتجة التي صحت لديه على ما استخلصه من مقارفة المتهم للجريمة المسندة إليه ولا عليه أن يتعقبه فى كل جزئية من جزئيات دفاعه ؛ لأن مفاد التفاته عنها أنه اطرحها ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن على النحو الوارد بأسباب طعنه لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً فى تقدير الدليل وفي سلطة محكمة الموضوع فى وزن عناصر الدعوى واستنباط معتقدها وهو ما لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض .
لما كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه لم يعول فى إدانة الطاعن على تحريات المباحث
- على ما يبين من مدوناته - فإن ما ينعاه بشأن قالة تناقضها مع أقوال الشهود لا يكون له محل .
لما كان ذلك ، وكان القانون لم يحدد لتعرف الشهود على المتهم صورة خاصة يبطل إذا لم يتم عليها ؛ لأن لمحكمة الموضوع أن تأخذ بتعرف الشاهد على المتهم ما دامت قد اطمأنت إليه إذ العبرة هي باطمئنان المحكمة إلى صدق الشاهد نفسه ما دام واقع الحال يسانده فلا على المحكمة إن هي اعتمدت على الدليل المستمد من تعرف الشاهد على الطاعن ما دام تقدير قوة الدليل من سلطتها وحدها وأن المنازعة فى ذلك لا تعدو أن تكون جدلاً موضوعياً فى تقدير أدلة الدعوى مما لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض .
لما كان الحكم أعمل فى حق الطاعن المادة 32 من قانون العقوبات وأوقع عليه عقوبة واحدة - السجن المؤبد - عن الجرائم الثلاث التي دانه بها وهي المقررة لجريمة القتل العمد باعتبارها الجريمة ذات العقوبة الأشد ، ومن ثم يكون ما ينعاه الطاعن فى هذا الشأن غير مقبول .
لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن أداة ارتكاب الجريمة ليست من أركان الجريمة الجوهرية ، فإن عدم ضبطها لا يؤثر فى قيام الجريمة ولا ينال من أدلتها القائمة فى الدعوى ، فإن ما ينعاه الطاعن فى هذا الشأن لا يكون مقبولاً .
لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن للمحكمة أن تستغنى عن سماع شهود الإثبات إذا ما قبل المتهم أو المدافع عنه ذلك صراحة أو ضمناً دون أن يحول عدم سماعهم أمامها من أن تعتمد فى حكمها على أقوالهم التي أدلوا بها فى التحقيقات ما دامت هذه الأقوال مطروحة على بساط البحث ، وكان الثابت من مطالعة محضر جلسة المرافعة الأخيرة أن النيابة العامة والدفاع اكتفيا بأقوال الشهود الواردة بالتحقيقات وترافع الدفاع عن الطاعن فى موضوع الدعوى وانتهى إلى طلب البراءة ، فليس له من بعد أن ينعى على المحكمة قعودها عن سماع شهود الإثبات الذين تنازل صراحة عن سماعهم .
لما كان ذلك ، وكان البين من محاضر جلسات المحاكمة أن المحكمة بجلسة 19/5/2013 قامت بفض الحرز بعد التأكد من سلامة أختامه ووجدت ما به مطابقاً لما هو مدون عليه وذلك فى مواجهة النيابة ودفاع المتهم ولم يبديا ثمة اعتراض على ذلك ثم أمرت بإعادة تحريزه مرة أخرى ، وبجلسة 20/4/2014 فضت الحرز فى حضور الطاعن والمدافعين عنه وأثبت اطلاع النيابة والدفاع عليه ، فإن ما يثيره الطاعن فى هذا الصدد يكون غير سديد .
لما كان ذلك ، وكان الثابت من محضر جلسة المحاكمة أن الطاعن حضر وترافع عنه محاميان الموكلان الأستاذ / ماهر نعيم ، والأستاذ / مدحت بدوي على النحو المبين بمحضر جلسة المحاكمة ولم يرد بمحضر الجلسة ما يفيد أن الطاعن اعترض على حضورهما أو مرافعتهما أو أنه أبدى طلباً ما فى هذا الشأن ، وكان المراد بما اقتضاه القانون من أن كل متهم بجناية يجب أنه يكون له من يدافع عنه يتحقق بحضور محام موكلاً كان أو منتدباً بجانب المتهم أثناء المحاكمة يشهد إجراءاتها ويعاون المتهم بكل ما يرى إمكان تقديمه من أوجه الدفاع ، لما كان ذلك ، وكان المحامي حر فى أداء مهمته حسبما يمليه عليه ضميره واجتهاده وتقاليد مهنته فما دام الثابت أن محامياً حضر عن الطاعن وأدلى بما رآه من دفاع فلا يقبل منه أن ينعى على الحكم أنه أخل بحقه فى الدفاع ، فإن ما ينعى به الطاعن من بطلان الإجراءات والإخلال بحق الدفاع لا يكون له من وجه .
لما كان ما تقدم ، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً .
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة / بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع برفضه .
أمين السر رئيس الدائرة
محكمة النقض
الدائرة الجنائية
الأربعاء ( ج )
المؤلفة برئاسة السيد القاضي / وجيه أديب نائب رئيس المحكمة
وعضوية السادة القضاة / مجدي عبد الرازق و طارق بهنساوي
ومحمود عمر و ممدوح فزاع
نواب رئيس المحكمة
وحضور رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض السيد / صالح حجاب .
وأمين السر السيد / يسري ربيع .
في الجلسة العلنية المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة .
في يوم الأربعاء 28 من جمادى الآخرة سنة 1437 ه الموافق 6 من أبريل سنة 2016 م .
أصدرت الحكم الآتي :
في الطعن المقيد بجدول المحكمة برقم 19253 لسنة 84 القضائية .
المرفوع من :
محمد حسن أحمد محمد الطيب " المحكوم عليه - الطاعن "
ضد
النيابة العامة " المطعون ضدها "
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعن فى قضية الجناية رقم 30600 لسنة 2012 جنايات سيدي سالم ( المقيدة برقم 1118 لسنة 2012 كلي كفر الشيخ ) .
بأنه فى يوم 28 من أغسطس سنة 2011 بدائرة مركز سيدي سالم - محافظة كفر الشيخ :
1- قتل وآخر مجهول المجني عليه / محمود محمد حامد كرد عمداً بغير سبق إصرار ولا ترصد بأنه وحال استقلاله مركبة صيد رفقة شقيقه / محمد محمد صادق ونجله / محمد محمود محمد كرد لمزاولة مهنتهم الصيد بجزيرة الحماصي بحيرة البرلس فاعترض سبيلهما بمركب صيد استقلالهما قيادة ذلك المجهول شاهراً المتهم سلاحاً نارياً " آلي رصاص " فى مواجهتهم آمراً إياهم بإيقاف محرك المركب خاصتهم وبسؤاله للمجني عليه عن سبب تواجدهم بمكان الواقعة فوجس فى نفسه خيفة منه مطالب شقيقه بسرعة الفرار خشية إلحاق ثمة أذى بهم فأطلق صوبه عدة أعيرة نارية استقرت إحداها بصدره قاصداً إزهاق روحه فأحدث به الإصابات الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية التي أودت بحياته إبان تواجد ذلك المجهول بمكان الواقعة للشد من أزره ومساندته لإتمام جريمته على النحو المبين بالتحقيقات .
2- أحرز سلاحاً نارياً مششخناً " آلي رصاص " مما لا يجوز ترخيصه على النحو المبين بالتحقيقات .
3- أحرز ذخائر مما تستعمل فى السلاح الناري محل الاتهام السابق دون أن يرخص له بحيازته أو إحرازه على النحو المبين بالتحقيقات .
وأحالته إلى محكمة جنايات كفر الشيخ لمحاكمته طبقاً للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة .
وادعى ورثة المجني عليه مدنياً قِبل المتهم بالتعويض المدني المؤقت .
والمحكمة المذكورة قضت حضورياً فى 20 من أبريل سنة 2014 عملاً بالمادة 234/1 من قانون العقوبات والمواد 1/1 ، 6 ، 25 مكرر /5،3 من القانون رقم 394 لسنة 1954 المعدل بالقانونين رقمي 26 لسنة 1978 ، 165 لسنة 1981 والبند " ب " من القسم الثاني من الجدول رقم 3 المرفق بالقانون الأول ، مع إعمال المادة 32 من قانون العقوبات ، بمعاقبته بالسجن المؤبد عن الاتهام المسند إليه وأمرت بإحالة الدعوى المدنية للمحكمة المختصة .
فطعن المحكوم عليه فى هذا الحكم بطريق النقض فى 26 من أبريل سنة 2014 ، وأودعت ثلاث مذكرات بأسباب الطعن فى 15 ، 17 من يونيه سنة 2014 موقع عليهم من الأساتذة / بهاء الدين أبو شقة ، ماهر نعيم عطا الله ومدحت عبد العاطي بدوي المحامين .
وبجلسة اليوم سَمعت المحكمة المرافعة على ما هو مبيَّن بمحضر الجلسة .
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر والمرافعة وبعد المداولة قانوناً .
حيث إن الطعن استوفى الشكل المقرر له قانوناً .
وحيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجرائم القتل العمد وإحراز سلاح ناري مششخن " بندقية آلية " وذخائر مما تستعمل عليه مما لا يجوز الترخيص بإحرازهما قد شابه القصور والتناقض فى التسبيب والفساد فى الاستدلال وانطوى على خطأ فى الإسناد والإخلال بحق الدفاع ، ذلك بأن الحكم جاء قاصراً فى بيان واقعة الدعوى ومؤدى الأدلة التي عول عليها فى قضائه بالإدانة بياناً كافياً تتحقق به أركان الجرائم التي دانه بها ، هذا وقد دلل الحكم على توافر نية القتل فى حق الطاعن بما لا يصلح سند لقيامها وملتفتاً عن دلالة ما أورده فى هذا الشأن ، كما عول الحكم فى الإدانة على الدليل المستمد من تقرير الصفة التشريحية دون إيراد كامل مضمونه ولم يفطن الحكم لتناقض التقرير مع أقوال شاهد الإثبات الثاني فى شأن مدى الإطلاق وعدم جزم التقرير بجواز اتفاق الدليل الفني والصورة التي قال بها شهود الواقعة ولم يعن الحكم باستظهار رابطة السببية بين فعل الطاعن والنتيجة ، هذا وقد اعتنق الحكم تصويراً للواقعة يخالف العقل والمنطق ملتفتاً عن دفاع الطاعن من أن للواقعة صورة أخرى ، وأن المحكمة لم تجر تحقيقاً فى شأن منازعته فى صورة الواقعة وتوافر نية القتل ، هذا وقد عول الحكم على شهادة شهود الإثبات رغم اختلاف أقوال الشاهد الأول وتعدد رواياته فى التحقيقات فى شأن شخص مرتكب الواقعة وتناقضها وباقي الشهود ، كما أحال الحكم فى بيان مضمون شهادة الشاهد الثاني لما شهد به الشاهد الأول على الرغم من اختلاف أقوالهم ورغم أن الشاهدين الأول والثاني لم يشاهدا الواقعة وقت حدوثها كما أن أقوال الشاهد الأول جاءت سماعية ، هذا ولم يعرض الحكم الدفاع الطاعن بنفي الصلة بالواقعة بدلالة المستندات المقدمة منه بجلسة المحاكمة والتي تنفي وجوده على مسرح الجريمة ، هذا ولم يفطن الحكم لما جاء بتحريات المباحث والتي تناقض أقوال الشهود بعدم توصلها لخلافات بين الطاعن والمجني عليه وحقيقة الواقعة ، ولم يتفطن الحكم إلى ما شاب عملية التعرف على الطاعن من بطلان فى الإجراءات ، وعاقبه بعقوبة السجن المؤبد رغم عدم ضبط السلاح الآلي المستخدم فى الجريمة ، هذا ولم تجر المحكمة تحقيقاً لسماع شهود الإثبات ومناقشتهم رغم تمسك الدفاع بذلك ، ولم تطلع المحكمة على الأحراز وتثبت بياناته وتناقشه ، كما أن الطاعن لم يحظ بدفاع جدي ، كل ذلك مما يعيب الحكم بما يستوجب نقضه .
وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دان الطاعن بها وأورد على ثبوتها فى حقه أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها استقاها من أقوال شهود الإثبات محمد محمد حامد محمد كرد ، محمد محمود محمد كرد ، عبد ربه سعد محمد القاضي ، وما ثبت بتقرير الصفة التشريحية ، وتعرف الشاهد الأول والثاني على المتهم بالتحقيقات ، وجاء استعراض المحكمة لأدلة الدعوى على نحو يدل على أنها محصتها التمحيص الكافي وألمت بها إلماماً شاملاً يفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة ، لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن القانون لم يرسم شكلاً أو نمطاً يصوغ فيه الحكم بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها ، ومتى كان مجموع ما أورده الحكم كافياً فى تفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة فإن ذلك يكون محققاً لحكم القانون .
لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن قصد القتل أمر خفي لا يدرك بالحس الظاهر وإنما يدرك بالظروف المحيطة بالدعوى والأمارات والمظاهر التي يأتيها الجاني وتنم عما يضمره فى نفسه واستخلاص هذا القصد من عناصر الدعوى موكل إلى قاضي الموضوع فى حدود سلطتها التقديرية ، لما كان ذلك ، وكان الحكم تحدث عن نية القتل استقلالاً كما عرض لها فى صدر بيان الواقعة ، فإن ما أورده الحكم فى ذلك كاف وسائغ للتدليل على ثبوت تلك النية كما هي معرفة به فى القانون .
لما كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد أورد تقرير الصفة التشريحية للمجني عليه وأبرز ما جاء به من أنه " ثبت أن إصابة المجني عليه / محمود محمد حامد بالصدر من الإصابات النارية الحيوية نتجت من طلق ناري معمر بمقذوف مفرد الذي وجد مستقراً بالجثة وتم استخراجه أطلق من سلاح من ذات العيار وتعزى الوفاه لتلك الإصابة وما أحدثته من تهتكات بالرئتين والعمود الفقري ونزيف داخلي وخارجي غزير وصدمه ... " ، فإن ما ينعاه الطاعن بعدم إيراد مضمون تقرير الصفة التشريحية بصورة وافية لا يكون له محل ، لما هو مقرر أنه لا ينال من سلامة الحكم عدم إيراد نص تقرير الخبير بكامل أجزائه ، لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن تقدير آراء الخبراء والفصل فيما يوجه إلى تقاريرهم من اعتراضات مرجعه إلى محكمة الموضوع التي لها كامل الحرية فى تقدير القوة التدليلية لتلك التقارير لتعلق هذا الأمر بسلطتها فى تقدير الدليل ولها أن تجزم بما لم يجزم به الخبير ما دامت الوقائع فى الدعوى قد أيدت ذلك عندها وأيدته لديها وهو ما لم يخطئ الحكم فى تقديره مما يصبح معه النعي على الحكم فى هذا الصدد غير مقبول .
لما كان ذلك ، وكان من المقرر أنه ليس بلازم أن تطابق أقوال الشهود مضمون الدليل الفني بل يكفي أن يكون جماع الدليل القولي غير متناقض مع الدليل الفني تناقضاً يستعصى على المواءمة والتوفيق ، وكان الدليل المستمد من أقوال شهود الإثبات الذي أخذت به محكمة الموضوع واطمأنت إليه غير متعارض والدليل المستمد من تقرير الصفة التشريحية ، ومن ثم فإن النعي بأن ما انتهى إليه تقرير الصفة التشريحية من الإطلاق تجاوز مدى الإطلاق القريب يتعارض مع ما جاء بأقوال شهود الإثبات يكون على غير محله .
لما كان ذلك ، وكان الثابت من مدونات الحكم المطعون فيه أنه استظهر قيام علاقة السببية بين إصابات المجني عليه التي أورد تفاصيلها عن تقرير الصفة التشريحية وبين وفاته فأورد من واقع ذلك التقرير أن وفاة المجني عليه تعزى لإصاباته بطلق ناري وما أحدثه من تهتكات بالرئتين والعمود الفقري ونزيف داخلي وخارجي غزير وصدمه ، فإنه ينحسر عن الحكم ما يثيره الطاعن من قصور فى هذا الشأن .
لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن من حق محكمة الموضوع أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة أمامها على بساط البحث الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدي إليه اقتناعها وأن تطرح ما يخالفها من صور أخرى ما دام استخلاصها سائغاً مستنداً إلى أدلة مقبولة فى العقل والمنطق ولها أصلها فى الأوراق - كما هو الحال فى الدعوى المطروحة - لما كان ذلك ، وكان لا يشترط فى شهادة الشهود أن تكون واردة على الحقيقة المراد إثباتها بأكملها وبجميع تفاصيلها على وجه دقيق بل يكفي أن يكون من شأن تلك الشهادة أن تؤدي إلى هذه الحقيقة باستنتاج سائغ تجرية محكمة الموضوع يتلاءم به ما قاله الشهود بالقدر الذي رووه مع عناصر الإثبات الأخرى المطروحة أمامها ، كما أنه من المقرر قانوناً أنه لا يلزم النص الكامل لأقوال الشاهد الذي اعتمد عليها الحكم بل يكفي أن يورد مضمونها ، ولا يقبل النعي على المحكمة إسقاطها بعض أقوال الشاهد ؛ لأن فيما أوردته منها وعولت عليه ما يعني أنها اطرحت ما لم تشر إليه منها لما للمحكمة من حرية فى تجزئة الدليل والأخذ منه بما ترتاح إليه والالتفات عما لا ترى الأخذ به ما دام أنها قد أحاطت بأقوال الشاهد ومارست سلطتها فى تجزئتها بغير بتر لفحواها أو مسخ لها بما يحيلها عن معناها أو يحرفها عن مواضعها - كما هو الحال فى الدعوى المطروحة - ومن ثم فإن ما ينعاه الطاعن على الحكم من إغفاله تحصيل بعض أقوال الشهود على النحو الذي يردده بأسباب طعنه لا يكون له محل .
لما كان ذلك ، وكان تناقض الشهود أو تضاربهم فى أقوالهم وتعدد روايتهم لا يعيب حكمها أو يقدح فى سلامته ما دام استخلص الحقيقة من أقوالهم استخلاصاً سائغاً لا تناقض فيه ، وكان لمحكمة الموضوع أن تأخذ بأقوال الشاهد فى أيه مرحلة من مراحل التحقيق أو المحاكمة دون أن تبين العلة فى ذلك ، وكان وزن أقوال الشهود وتقدير الظروف التي يؤدون فيها شهادتهم وتعويل القضاء على أقوالهم مرجعه إلى محكمة الموضوع دون رقابة عليها من محكمة النقض ، وكان لا يلزم أن تكون الأدلة التي اعتمد عليها الحكم بحيث ينبئ كل دليل منها ويقطع فى كل جزئية من جزئيات الدعوى إذ الأدلة فى المواد الجنائية متساندة يكمل بعضها بعضاً ومنها مجتمعة تتكون عقيدة المحكمة ، وإذا كانت المحكمة قد اعتنقت تصوير شهود الإثبات للواقعة على النحو الذي اعتنقت به ، فإن ما يثيره الطاعن بأن فى هذا الشأن لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً فى سلطة المحكمة فى اعتقادها وفي تقديرها الأدلة التي عولت عليها مما لا يجوز مصادرتها فيه أو إثارته أمام محكمة النقض ، هذا فضلاً من أنه يبين من محضر جلسة المحاكمة أن أياً من الطاعن أو المدافع عنه طلب إلى المحكمة إجراء تحقيق فى شأن المنازعة فى صورة الواقعة وتوافر نية القتل - على نحو ما يدعيه بأسباب طعنه - فليس له من بعد النعي على المحكمة قعودها عن إجراء تحقيق لم يطلب منها ولم تر هي من جانبها لزوماً لإجرائه ، ومن ثم فإن النعي على الحكم فى هذا الصدد يكون غير مقبول .
لما كان ذلك ، وكان من المقرر أنه لا يعيب الحكم أن يحيل فى بيان شهادة الشهود إلى ما أورده من أقوال شاهد آخر ما دامت أقوالهم متفقة مع ما استند إليه الحكم منها ، لما كان ذلك ، وكان الطاعن لا يجادل فى أن ما نقله الحكم من أقوال الشاهد الأول له أصله الثابت فى الأوراق ولم يخرج الحكم عن مدلول شهادته فلا ضير على الحكم من بعد إحالته فى بيان أقوال الشاهد الثاني إلى ما أورده من أقوال الشاهد الأول ما دام أن الطاعن لا يجادل فى أن شهادة الثاني كانت نقلاً عن الأول متى تبينت المحكمة صحتها - كما هو الحال فى الدعوى الراهنة - ولا يؤثر فى هذا النظر اختلاف الشهود فى بعض التفصيلات التي لم يوردها الحكم ، ذلك أن لمحكمة الموضوع فى سبيل تكوين عقيدتها تجزئة أقوال الشاهد والأخذ منها بما تطمئن إليه واطراح ما عداها دون أن يعد هذا تناقضاً فى حكمها إذ أن مفاد إحالة الحكم فى بيان أقوال الشاهد الثاني إلى ما حصله من أقوال الشاهد الأول فيما اتفقا فيه أنه التفت عن هذه التفصيلات مما ينحسر عن الحكم دعوى القصور والتناقض فى التسبيب .
لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن القانون لا يمنع المحكمة من الأخذ برواية ينقلها شخص عن آخر متى رأت أن تلك الأقوال قد صدرت منه حقيقة وكانت تمثل الواقع فى الدعوى ، فإن ما يثيره الطاعن فى هذا الصدد يضحى ولا محل له .
لما كان ذلك ، وكان نفي الصلة بالواقعة وإنكار التهمة من أوجه الدفاع الموضوعية التي لا يستوجب فى الأصل من المحكمة رداً صريحاً ما دام الرد مستفاد ضمناً من القضاء بالإدانة استناداً إلى أدلة الثبوت التي يوردها الحكم ، وأن تقدير أدلة الدعوى من إطلاقات محكمة الموضوع التي لها أن تكون عقيدتها من كافة عناصر الدعوى المطروحة على بساط البحث ، فإن ما ينعاه الطاعن فى هذا الصدد لا يكون محل .
لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن الأدلة فى المواد الجنائية إقناعية وللمحكمة أن تلتفت عن دليل النفي ولو حملته أوراق رسمية ما دام يصح فى العقل أن يكون غير ملتئم مع الحقيقة التي اطمأنت إليها من باقي الأدلة فى الدعوى ، ولها أيضاً أن تعرض عن قالة شهود النفي ما دامت لا تثق بما شهدوا به وهي غير ملزمة بالإشارة إلى أقوالهم ما دامت لم تستند إليها ، كما أنها لا تلتزم بالرد صراحة على أدلة النفي التي يتقدم بها ، إذ بحسب الحكم كيما يتم تدليله ويستقيم قضاؤه أن يورد الأدلة المنتجة التي صحت لديه على ما استخلصه من مقارفة المتهم للجريمة المسندة إليه ولا عليه أن يتعقبه فى كل جزئية من جزئيات دفاعه ؛ لأن مفاد التفاته عنها أنه اطرحها ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن على النحو الوارد بأسباب طعنه لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً فى تقدير الدليل وفي سلطة محكمة الموضوع فى وزن عناصر الدعوى واستنباط معتقدها وهو ما لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض .
لما كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه لم يعول فى إدانة الطاعن على تحريات المباحث
- على ما يبين من مدوناته - فإن ما ينعاه بشأن قالة تناقضها مع أقوال الشهود لا يكون له محل .
لما كان ذلك ، وكان القانون لم يحدد لتعرف الشهود على المتهم صورة خاصة يبطل إذا لم يتم عليها ؛ لأن لمحكمة الموضوع أن تأخذ بتعرف الشاهد على المتهم ما دامت قد اطمأنت إليه إذ العبرة هي باطمئنان المحكمة إلى صدق الشاهد نفسه ما دام واقع الحال يسانده فلا على المحكمة إن هي اعتمدت على الدليل المستمد من تعرف الشاهد على الطاعن ما دام تقدير قوة الدليل من سلطتها وحدها وأن المنازعة فى ذلك لا تعدو أن تكون جدلاً موضوعياً فى تقدير أدلة الدعوى مما لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض .
لما كان الحكم أعمل فى حق الطاعن المادة 32 من قانون العقوبات وأوقع عليه عقوبة واحدة - السجن المؤبد - عن الجرائم الثلاث التي دانه بها وهي المقررة لجريمة القتل العمد باعتبارها الجريمة ذات العقوبة الأشد ، ومن ثم يكون ما ينعاه الطاعن فى هذا الشأن غير مقبول .
لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن أداة ارتكاب الجريمة ليست من أركان الجريمة الجوهرية ، فإن عدم ضبطها لا يؤثر فى قيام الجريمة ولا ينال من أدلتها القائمة فى الدعوى ، فإن ما ينعاه الطاعن فى هذا الشأن لا يكون مقبولاً .
لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن للمحكمة أن تستغنى عن سماع شهود الإثبات إذا ما قبل المتهم أو المدافع عنه ذلك صراحة أو ضمناً دون أن يحول عدم سماعهم أمامها من أن تعتمد فى حكمها على أقوالهم التي أدلوا بها فى التحقيقات ما دامت هذه الأقوال مطروحة على بساط البحث ، وكان الثابت من مطالعة محضر جلسة المرافعة الأخيرة أن النيابة العامة والدفاع اكتفيا بأقوال الشهود الواردة بالتحقيقات وترافع الدفاع عن الطاعن فى موضوع الدعوى وانتهى إلى طلب البراءة ، فليس له من بعد أن ينعى على المحكمة قعودها عن سماع شهود الإثبات الذين تنازل صراحة عن سماعهم .
لما كان ذلك ، وكان البين من محاضر جلسات المحاكمة أن المحكمة بجلسة 19/5/2013 قامت بفض الحرز بعد التأكد من سلامة أختامه ووجدت ما به مطابقاً لما هو مدون عليه وذلك فى مواجهة النيابة ودفاع المتهم ولم يبديا ثمة اعتراض على ذلك ثم أمرت بإعادة تحريزه مرة أخرى ، وبجلسة 20/4/2014 فضت الحرز فى حضور الطاعن والمدافعين عنه وأثبت اطلاع النيابة والدفاع عليه ، فإن ما يثيره الطاعن فى هذا الصدد يكون غير سديد .
لما كان ذلك ، وكان الثابت من محضر جلسة المحاكمة أن الطاعن حضر وترافع عنه محاميان الموكلان الأستاذ / ماهر نعيم ، والأستاذ / مدحت بدوي على النحو المبين بمحضر جلسة المحاكمة ولم يرد بمحضر الجلسة ما يفيد أن الطاعن اعترض على حضورهما أو مرافعتهما أو أنه أبدى طلباً ما فى هذا الشأن ، وكان المراد بما اقتضاه القانون من أن كل متهم بجناية يجب أنه يكون له من يدافع عنه يتحقق بحضور محام موكلاً كان أو منتدباً بجانب المتهم أثناء المحاكمة يشهد إجراءاتها ويعاون المتهم بكل ما يرى إمكان تقديمه من أوجه الدفاع ، لما كان ذلك ، وكان المحامي حر فى أداء مهمته حسبما يمليه عليه ضميره واجتهاده وتقاليد مهنته فما دام الثابت أن محامياً حضر عن الطاعن وأدلى بما رآه من دفاع فلا يقبل منه أن ينعى على الحكم أنه أخل بحقه فى الدفاع ، فإن ما ينعى به الطاعن من بطلان الإجراءات والإخلال بحق الدفاع لا يكون له من وجه .
لما كان ما تقدم ، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً .
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة / بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع برفضه .
أمين السر رئيس الدائرة

