بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

       أَعْتَزُّ وَجَمِيعُ الْقُضَاةِ بِشَهْرِ أُكْتُوبَرَ، فَهُوَ مُسْتَهَلُّ الْعَامِ الْقَضَائِيِّ، وَصَحْوَةُ انْتِظَامِ الْعَمَلِ بِالْمَحَاكِمِ بَعْدَ فَتْرَةِ رَاحَةٍ وَاجِبَةٍ، وَيَأْتِينَا كُلَّ عَامٍ كَنَهَارٍ مُشْرِقٍ، يُلْهِمُنَا نَشَاطًا وَهِمَّةً لَازِمَةً فِي أَدَاءِ رِسَالَتِنَا، كَمَا يَرْتَبِطُ دَوْمًا ذَلِكَ الشَّهْرُ بِمَسِيرَةِ كُلِّ قَاضٍ مِنَّا، فَمِنْ تَنَقُّلَاتٍ مَيْدَانِيَّةٍ فِي رُبُوعِ وَطَنِنَا، لِلْعَمَلِ فِي مُخْتَلِفِ مَحَاكِمِهِ، إِلَى تَرْقِيَاتٍ فِي سُلَّمِ الْوَظِيفَةِ الْقَضَائِيَّةِ، تَرْتَبِطُ بِذِكْرَى التَّدَرُّجِ فِي مَرَاحِلَ عُمْرِيَّةٍ حَتَّى اكْتِمَالِ الْعَطَاءِ.

وَمِنْ طِيبِ أَثَرِ ذَلِكَ الشَّهْرِ أَنْ أَتَّخِذَ قَرَارًا بِاعْتِمَادِ غُرَّتِهِ عِيدًا لِلْقَضَاءِ، وَرَمْزًا لِشُمُوخِهِ.

وَأَعْتَزُّ وَكُلُّ مِصْرِيٍّ بِشَهْرِ أُكْتُوبَرَ، الَّذِي يَسْتَلْهِمُ مِنْهُ جَمِيعُ الْمِصْرِيِّينَ رُوحَ الْفَخْرِ بِالِانْتِمَاءِ إِلَى هَذَا الْوَطَنِ الْآمِنِ بِأَمْرِ رَبِّهِ، وَالْمَحْرُوسِ بِعَيْنِ أَبْطَالِهِ الْمُخْلِصِينَ، وَنَسْتَخْلِصُ مِنْهُ عِبْرَةً تَتَمَثَّلُ فِي كَيْفِيَّةِ الْتِفَافِ الْمِصْرِيِّينَ فِي رِبَاطٍ تَحْتَ رَايَةٍ وَاحِدَةٍ لِتَغْيِيرِ مَصَائِرِهِمْ كُلَّمَا حَاقَ خَطَرٌ بِهِمْ، أَوْ نَزَلَتْ بِأَرْضِهِمْ نَازِلَةٌ، وَيَعْكِسُ إِصْرَارَ وَهِمَّةَ وَيَقَظَةَ وَصَحْوَةَ أَبْنَائِهِ لِبِنَاءِ واقع مُشْرِقٍ لِوَطَنٍ شَامِخٍ وتصميمهم على العبور إلى ضفة المستقبل.

وَمِنْ حُسْنِ الطَّالِعِ أَنْ يُعَاوِدَنَا هَذَا الشَّهْرُ كُلَّ عَامٍ، مُحَمَّلًا بِأَعْيَادِ الِانْتِصَارِ حَرْبًا وَسَلَامًا وَتَحْكِيمًا.

وَشَهْرُ أُكْتُوبَرَ مِنْ هَذَا الْعَامِ أَبَى إِلَّا أَنْ يَتَوَاكَبَ مَعَ صَحْوَةٍ جَدِيدَةٍ، مُمَثَّلَةً فِي اسْتِئْنَافِ إِصْدَارِ "مِجَلَّةِ النَّقْضِ" بِنَاءً عَلَى إِلْحَاحٍ مِنْ قُضَاةِ الْمَحْكَمَةِ، وَبَعْدَ مُدَاوَلَةٍ، صَدَرَ الْقَرَارُ بِعَوْدَةِ إِطْلَاقِهَا فَصْلِيًّا، بَدْءًا مِنْ هَذَا الشَّهْرِ. وَلَقَدْ تَمَّ السَّعْيُ لِإِخْرَاجِ هَذَا الْمُصَنَّفِ فِي صُورَةٍ بَهِيَّةٍ، تَتَمَاشَى مَعَ شُمُوخِ الْمَحْكَمَةِ الَّتِي قَارَبَ إِنْشَاؤُهَا عَلَى الْمِائَةِ عَامٍ، وَتُلَبِّي حَاجَةَ الدَّارِسِ وَالْمُتَخَصِّصِ، وَتُبْرِزُ رُسُوخَ الْمُشَارِكِينَ فِي عُلُومِ الْقَانُونِ وَالْقَضَاءِ، وَتُرَاعِي مَفَاهِيمَ الْحَدَاثَةِ فِي الشَّكْلِ، وَلَا تَنْفَكُّ عَنِ اْلأَصَالَةِ فِي الْمَوْضُوعِ.

وَإِذْ يُعَدُّ نَشْرُ الْعِلْمِ مِنْ أَعْظَمِ الْفَوَائِدِ وَأَجَلِّ الْفَضَائِلِ، وَهُوَ مَا يَسْتَلْزِمُ شَحْذَ الْهِمَمِ مِنَ الْقَائِمِينَ عَلَيْهَا، وَصَحْوَةً مِنَ الْمُشَارِكِينَ فِيهَا؛ لِتَحْقِيقِ النَّفْعِ الْمَرْجُوِّ لِلْمُخَاطَبِينَ بِهَا.

وَإِنِّي أَتَطَلَّعُ إِلَى أَنْ تُحَقِّقَ هَذِهِ الْمِجَلَّةُ مِنَ الْغَايَةِ مُبْتَغَاهَا، وَمِنْ رِسَالَتِهَا أَسْمَى مَقْصِدِهَا، وَمِنَ النَّجَاحِ دَوَامَهُ، وَاللَّهُ مِنْ وَرَاءِ الْقَصْدِ وَهُوَ يَهْدِي إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ.

وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ.