محكمة النقض المصرية

الطعن رقم ٥٢١٦ لسنة ٨٦ قضائية

الدوائر الجنائية - جلسة ٢٠١٧/٠١/٠٥
العنوان :

قتل عمد . إثبات " بوجه عام " . حكم " ما لا يعيبه في نطاق التدليل " . نقض " أسباب الطعن . ما لا يقبل منها " .

الموجز :

التناقض الذي يعيب الحكم . ماهيته ؟ الجدل الموضوعي في تقدير الدليل . غير جائز أمام محكمة النقض . مثال لما لا يعد تناقضاً في حكم صادر بالإدانة بجريمة قتل عمد .

القاعدة :

من المقرر أن التناقض الذي يعيب الحكم ويبطله هو الذي يقع بين أسبابه بحيث ينفي بعضها ما أثبته البعض الآخر ولا يعرف أي الأمرين قصدته المحكمة ، والذي من شأنه أن يجعل الدليل متهادماً متساقطاً لا شيء فيه باقياً يمكن أن يعتبر قواماً لنتيجة سليمة يصح الاعتماد عليها ، وكان ما أورده الحكم من أن " ما أتاه المتهمان من أفعال بطعن المجني عليه بالمطواة والسكين في مقتل لا يتعارض مع ما ثبت بتقرير الصفة التشريحية من أن وفاة المجني عليه نتيجة الطعن بسكين فقط بأعلى الفخذ الأيسر، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد ينحل إلى جدل موضوعي في تقدير الأدلة مما تستقل به محكمة الموضوع ولا تجوز مجادلتها فيه أمام محكمة النقض .

الحكم
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد المستشار المقرر والمرافعة وبعد المداولة قانوناً: -
أولاً: ــ عن الطعن المقدم من المحكوم عليه: ــ
حيث إن الطعن استوفى الشكل المقرر قانوناً.
وحيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجرائم القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد المقترنة بجريمة الشروع فى القتل وإحراز سلاح أبيض بغير مسوغ من الضرورة الحرفية أو الشخصية والشروع فى الحصول بالتهديد على مبلغ نقدي قد شابه القصور والتناقض فى التسبيب والفساد فى الاستدلال والإخلال بحق الدفاع، ذلك بأنه جاء فى صيغة غامضة مبهمة خلت من بيان واقعة الدعوى والأدلة التى استند إليها فى قضائه بالإدانة ، واستدل على توافر نية القتل وظرف سبق الإصرار والترصد بما لا يوفرهما، ولم يستظهر توافر القصد الجنائي فى جريمة الشروع فى القتل بما ينفي ظرف الاقتران، وعوَّل على أقوال شهود الإثبات رغم تناقضها ودون أن يستمع لأقوالهم بجلسة المحاكمة مكتفياً بتلاوتها، وأورد مؤدى أقوال الشاهد الأول فى بيان مبتسر غير واف وعلى التحريات التى أجرها الشاهد الرابع رغم عدم صلاحيتها دليلاً للإدانة ورغم عدم تلاوتها بالجلسة خاصة وأنه لم يفصح عن مصدرها ، كما اطرح بما لا يصلح رداً دفعه ببطلان اعترافه بارتكاب الواقعة لكونه وليد إكراه وتعذيبه لدى ضبطه وبتحقيقات النيابة العامة، فضلاً عن أن الحكم بعد أن أثبت توافر ظرف سبق الإصرار فى حقه عن الجريمة الأولى عاد واستبعد ذلك الظرف بالنسبة للجريمة الثانية ولم يبين الباعث على ارتكاب الجريمة ولم يفطن إلى أن الواقعة فى حقيقتها ضرب أفضى إلى موت، وعدلت المحكمة عن طلب سماع شهود الإثبات الذى تمسك بسماعهم دون بيان العلة رغم سبق تأجلها الدعوى لسماعهم، كل ذلك مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه حصل واقعة الدعوى بما مفاده أنه (حال سير المجني عليه بالطريق العام اعتراضه الطاعن وطلب منه إعطاءه ما معه من نقود فأبى المجني عليه فعقد الطاعن العزم وبيت النية على قتله وأستل أداة قاتلة "سكين" من منزله وتربص للمجني عليه بالمكان الذي أيقن مروره منه وما إن ظفر به حتى باغته بالطعن من الخلف بيسار عنقه قاصداً قتله فأحدث به الإصابات الموصوفة بالتقرير الطبي الشرعي والتي أودت بحياته ثم قام بالعدو خلف الشاهد الأول الذي كان يسير برفقة المجني عليه قاصداً قتله إلا أنه خاب أثر جريمته لسبب لا دخل لإرادته فيه وهو تمكن الأخير من الهرب)، وساق الحكم على صحة الواقعة وإسنادها إلى الطاعن أدلة استقاها مما شهد به شهود الإثبات ومن اعتراف المتهم بتحقيقات النيابة العامة وتعرف الشاهد الأول عليه فى العرض القانوني وما ثبت من تقرير الصفة التشريحية.
لما كان ذلك، وكانت المادة ٣١٠ من قانون الإجراءات الجنائية قد أوجبت فى كل حكم بالإدانة أن يشتمل على بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة بياناً تتحقق به أركان الجريمة التى دان المحكوم عليه بها والظروف التى وقعت فيها والأدلة التى استخلصت منها المحكمة ثبوت وقوعها منه، وكان يبين مما سطره الحكم أنه بيَّن واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التى دان الطاعن بها وأورد على ثبوتها فى حقه أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها وجاء استعراض المحكمة لأدلة الدعوى على نحو يدل على أنها محصتها التمحيص الكافي وألمت بها إلماماً شاملاً يفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة، وكان القانون لم يرسم شكلاً خاصاً يصوغ فيه الحكم بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التى وقعت فيها فمتى كان مجموع ما أورده الحكم ــــــ كما هو الحال فى الدعوى المطروحة ـــــ كافياً فى تفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة كان ذلك محققاً لحكم القانون، ومن ثم فإن النعي على الحكم بالقصور فى التسبيب يكون لا محل له.
لما كان ذلك، وكان الحكم قد عرض لنية القتل وظرف سبق الإصرار وأثبت توافرهما فى حق الطاعن بقوله: (أن الثابت من اعتراف المتهم أنه بعد أن تحرش بالمجني عليه توجه لمنزله وأحضر سكيناً وكمن له فى المكان الذى أيقن مروره منه عائداً من دروسه وظل منتظراً له فى هذا المكان لحين عودته وما إن ظفر به حتى عاجله وباغته بطعنه من الخلف بسلاح أبيض "سكيناً" بيسار عنقه قاصداً قتله فحدثت إصابته الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية والتي أودت بحياته ومن ثم فإنه ولما كان الثابت بالتحقيقات وما اطمأنت إليه المحكمة من أن المتهم قد اقترف جريمته فى هدوء وروية وفى فترة زمنية تسمح له باتخاذ قراره وهى فترة ما بين رفض المجني عليه إعطاءه النقود وحتى عودته من دروسه والتي جهز فيها أداة القتل "سكين" من منزله عائداً بها لمكان انتظار المجني عليه فى طريق عودته الذي أيقن مروره منه والذي يعلمه مسبقاً وطعنه بتلك الأداة فى مقتل يعلمه والمستفاد من أن تلك الطعنة الواحدة هي التى أودت بحياته وهو ما يتوافر به سبق الإصرار ونية القتل لدى المتهم الأمر الذي يضحى معه هذا الدفع خليقاً بالرفض).
لما كان ذلك، وكان قصد القتل أمراً خفياً لا يدرك بالحس الظاهر وإنما يدرك بالظروف المحيطة بالدعوى والأمارات الخارجية التى يأتيها الجاني وتنم عما يضمره فى نفسه واستخلاص هذا القصد من عناصر الدعوى موكول إلى قاضي الموضوع فى حدود سلطته التقديرية، كما أنه من المقرر أن البحث فى توافر ظرف سبق الإصرار من اطلاقات محكمة الموضوع يستنتجه من ظروف الدعوى وعناصرها مادام موجب تلك الظروف وهذه العناصر لا يتنافى عقلاً مع ذلك الاستنتاج.
لما كان ذلك، وكان ما أورده الحكم كافياً فيما سلف يكفي فى استظهار نية القتل ويتحقق به ظرف سبق الإصرار حسبما هو مُعرف به فى القانون، فإنه يكون قد أصاب صحيح القانون، ويكون النعي على الحكم فى هذا الشأن يضحى لا محل له، فضلاً عن أن حكم ظرف سبق الإصرار فى تشيد العقوبة كحكم ظرف الترصد وإثبات توافر أحدهما يغني عن إثبات توافر الآخر، فإنه لا يكون للطاعن مصلحة فيما يثيره بشأن تدليل المحكمة على توافر ظرف الترصد.
لما كان ذلك، وكان من المقرر أنه يكفي لتغليظ العقاب عملاً بالمادة ٢٣٤ من قانون العقوبات أن يثبت الحكم استقلال الجريمة المقترنة عن جناية القتل العمد وتميزها عنها وقيام المصاحبة الزمنية بينهما بأن تكون الجنايتان قد ارتكبتا فى وقت واحد أو فى فترة قصيرة من الزمن، وتقدير ذلك مما يستقل به قاضي الموضوع وإذ كان ما أورده الحكم فى مدوناته بما مؤداه أن الطاعن قتل المجني عليه بطعنه من الخلف بعنقه ثم اتبع ذلك بالعدو خلف الشاهد الأول الذي كان يسير برفقة المجني عليه قاصداً قتله إلا أنه خاب أثر الجريمة لسبب لا دخل لإرادته فيه وهو تمّكن الأخير من الهرب وهو ما يتحقق به جناية الشروع فى القتل، كما يتوافر به ظرف الاقتران كما هو مُعرف به فى القانون فإن هذا حسبه ويضحى منعى الطاعن فى هذا الخصوص غير سديد، فضلاً عن أنه لا يجدي الطاعن ما يثيره بالنسبة إلى جريمة الشروع فى القتل مادام الحكم المطعون فيه قد أثبت فى حقه توافر جريمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد وأوقع عليه عقوبة الإعدام عن الجرائم موضوع الاتهام التى دارت عليها المحاكمة وذلك بالتطبيق للمادة ٣٢ من قانون العقوبات وهي عقوبة مقررة لجريمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد التى ثبتت فى حق الطاعن مما تنعدم معه مصلحة الطاعن فيما ينعاه على الحكم المطعون فيه بالنسبة للجريمة الثانية وظرف الاقتران بها.
لما كان ذلك، وكان من المقرر أن لمحكمة الموضوع أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة أمامها على بساط البحث الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدي إليها اقتناعها وأن تطرح ما يخالفها من صور أخرى مادام استخلاصها سائغاً مستنداً إلى أدلة مقبولة فى العقل والمنطق ولها أصلها فى الأوراق، وكان وزن أقوال الشهود وتقدير الظروف التى يؤدون فيها شهادتهم وتعويل القضاء على أقوالهم مهما وجه إليها من مطاعن وحام حولها من الشبهات كل ذلك مرجعه إلى محكمة الموضوع تنزله المنزلة التى تراها وتقدره التقدير الذى تطمئن إليه دون رقابه محكمة النقض، وكان التناقض فى أقوال الشهود أو تضاربهم فى أقوالهم ـــ بفرض حصوله ــــ لا يعيب الحكم مادامت المحكمة قد استخلصت الحقيقة من أقوالهم استخلاصاً سائغاً لا تناقض فيه ــ كما هو الشأن فى الدعوى الماثلة ــ وإذ كانت المحكمة فى هذه الدعوى قد اطمأنت إلى أقوال شهود الإثبات وصحة تصويرهم للواقعة فإن ما يثيره الطاعن فى هذا الصدد ينحل إلى جدل موضوعي فى تقدير الدليل وهو ما تستقل به محكمة الموضوع ولا تجوز مجادلتها فيه أو مصادرتها فى شأنه أمام محكمة النقض. ولما كان الثابت من محضر جلسة ٧ / ١٠ / ٢٠١٥ أن الدفاع الحاضر مع المتهم تنازل عن طلباته اكتفاء بتلاوة أقوال شهود الإثبات الواردة بالتحقيقات ولم يعترض المحكوم عليه وأمرت المحكمة بتلاوة أقوالهم وتُليت ثم مضى الدفاع فى مرافعته إلى أن ضمنها بطلب الحكم أصلياً بالبراءة واحتياطياً استعمال الرأفة فلا تثريب على المحكمة إن هي قضت فى الدعوى دون سماع الشهود الغائبين ولا يحول عدم سماعهم أمام المحكمة من أن تعتمد فى حكمها على أقوالهم فى التحقيقات مادامت مطروحة على بساط البحث فى الجلسة ومن ثم فإن ما يُثار من عدم سماع شهود الإثبات لا يكون سديداً، فضلاً عن أن الحكم المطعون فيه قد أورد مؤدى أقوال الشاهد الأول أحمد إبراهيم مجدى أحمد على سالم فى بيان واف يكفي للتدليل على ثبوت الصورة التى اقتنعت بها المحكمة واستقرت فى وجدانها وأفصح عن اطمئنانه إلى أدلة الثبوت التى أوردها وقد تُليت أقواله بالجلسة وفقاً للثابت بمحضر جلسة ٧ / ١٠ / ٢٠١٥ على خلاف ما يقرر فى أسباب طعنه فإنه ينحسر عنه دعوى القصور فى التسبيب.
لما كان ذلك، وكان لا تثريب على المحكمة إن هي أخذت بتحريات المباحث ضمن الأدلة التى استندت إليها لما هو مقرر من أن للمحكمة أن تعول فى تكوين عقيدتها على ما جاء بتحريات الشرطة باعتبارها معززة لما ساقته من أدلة ـــ كما هي الحال فى الحكم المطعون فيه ـــــ فضلاً عن أن تقدير جدية التحريات من المسائل الموضوعية التى تستقل بها محكمة الموضوع فإن تعويل الحكم على أقوال النقيب أبو العزم فتحي منصور التى استقاها من تحرياته بدعوى عدم صلاحيتها دليلاً وعدم الافصاح عن مصدرها تتمخض جدلاً موضوعياً فى تقدير الدليل لا يُقبل أمام محكمة النقض.
لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد عرض لدفع الطاعن ببطلان اعترافه لكونه وليد إكراه بعد أن أورد بعض المبادئ القانونية واطرحه فى قوله: (لما كانت أوراق الدعوى قد جاءت ناطقة بتوافر جميع شروط الاعتراف المعتبرة قانوناً فى حق المتهم على نحو ما سلف فلقد جاء اعترافه على نفسه بإرادة حرة وتمييز وكان الاعتراف مطابقاً وصريحاً وكان وليد إجراءات صحيحة ومتفقاً مع ما جاء بأقوال شهود الإثبات وما أثبتته تحريات الشرطة دون إكراه مادى أو معنوي على المتهم) وهو رد سائغ وكاف فى مجموعه فى اطراح هذا الدفع ، لما هو مقرر أن الاعتراف فى المسائل الجنائية من العناصر التى تملك محكمة الموضوع كل الحرية فى تقدير صحتها وقيمتها فى الإثبات، ولها دون غيرها البحث فى صحة ما يدعيه المتهم من أن الاعتراف المعزو إليه قد انُتزع منه بطريق الإكراه ــــ ومتى تحققت أن الاعتراف سليم مما يشوبه واطمأنت إليه كان لها أن تأخذ به بلا معقب عليها مادامت تُقيم ذلك على أسباب سائغة ــ كما هو الحال فى الدعوى المطروحة ــــــ فإن منعى الطاعن فى هذا الخصوص فى غير محله.
لما كان ذلك، وكان من المقرر أن التناقض الذي يعيب الحكم ويبطله هو الذي يقع بين أسبابه بحيث ينفي بعضها البعض الآخر ولا يُعرف أي الأمرين قصدته المحكمة، وكان الحكم المطعون فيه قد اعتنق صورة واحدة لكيفية وقوع الحادث ـــ على ما سلف بيانه ـــ وكان ما أورده الحكم المطعون فيه عن ثبوت ظرف سبق الإصرار فى جريمة القتل العمد موضوع الجريمة الأولى دون ثبوت توافر ذلك الظرف فى جريمة الشروع فى القتل موضوع الجريمة الثانية لا يُعد من قبيل التناقض فإن ما ينعاه الطاعن فى هذا الصدد يكون لا محل له.
لما كان ذلك، وكان ما يثيره الطاعن بشأن عدم بيان الحكم للباعث على الجريمة، فإنه لا يعيب الحكم لما هو مقرر من أن الباعث على الجرائم ليس ركناً فيها ومن ثم فلا يقدح فى سلامة الحكم الخطأ فيه أو ابتناؤه على الظن أو إغفاله جملة ومن ثم فإن النعي على الحكم فى هذا الشأن يكون غير سديد.
لما كان ذلك، وكان ما أورده الحكم فى مدوناته تتوافر به جناية القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد كما هي مُعرفه به فى القانون وكان النعي بأن الواقعة مجرد جناية ضرب أفضى إلى الموت لا يعدو أن تكون منازعة فى الصورة التى اعتنقتها المحكمة للواقعة وجدلاً موضوعياً فى سلطة محكمة الموضوع فى استخلاص صورة للواقعة كما ارتسمت فى وجدانها مما تستقل بالفصل فيه بغير معقب، ويضحى ما يثيره الطاعن فى هذا الصدد غير مقبول.
لما كان ذلك، وكان البين من محضر جلسة المحاكمة أن الطاعن حضر بمحام ترافع فى موضوع الدعوى وطلب الحكم ببراءة الطاعن ولم يكن له طلب آخر فليس له من بعد أن ينعى على المحكمة قعودها عن سماع شهود الإثبات، لما هو مقرر من أن للمحكمة أن تستغنى عن سماع شهود الإثبات إذا ما قبل المتهم أو المدافع عنه ذلك صراحة أو ضمناً وكانت المحكمة قد عدلت عن طلب سماع شهود الإثبات بعد تنازل الدفاع الحاضر مع المحكوم عليه عن طلباته ومن ثم فإن النعي على الحكم بدعوى الإخلال بحق الدفاع يكون فى غير محله. لما كان ما تقدم فإن طعن المحكوم عليه يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً.
ثانياً عن عرض النيابة العامة: ــ
وحيث إن النيابة العامة عرضت الدعوى المطروحة على هذه المحكمة عملاً بما هو مقرر بالمادة ٤٦ من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقرار بقانون رقم ٥٧ لسنة ١٩٥٩ مشفوعة بمذكرة برأيها انتهت فيها إلى طلب إقرار الحكم وذلك دون إثبات تاريخ تقديم تلك المذكرة بحيث يستدل منه أنه روعي فيها عرض القضية فى ميعاد الستين يوماً المبينة بالمادة ٣٤ من ذلك القانون بعد تعديلها بالقانون رقم ٢٣ لسنة ١٩٩٢ إلا أنه
لما كان ذلك وكان تجاوز هذا الميعاد وعلى ما جاء به قضاء محكمة النقض لا يترتب عليه عدم قبول عرض النيابة العامة بل إن محكمة النقض تتصل بالدعوى بمجرد عرضها عليها لتفصل فيها وتستبين من تلقاء نفسها ـــ دون أن تتقيد بمبنى الرأي الذى ضمنته النيابة العامة بمذكرتها ــ ما عسى أن يكون قد شاب الحكم من عيوب يستوى فى ذلك أن يكون عرض النيابة فى الميعاد المحدد أو بعده فواته وأياً كان ما شاب المذكرة من عيوب شكلية ، ومن ثم يتعين قبول عرض النيابة العامة للدعوى.
وحيث إنه من المقرر أن القانون وإن أوجب أن يكون بجانب كل متهم بجناية محام يتولى الدفاع عنه أمام محكمة الجنايات إلا أنه لم يرسم للدفاع خططاً معينة لأنه لم يشأ أن يوجب شرف مهنته واطمئناناً إلى نبل أغراضها ـــ أمر الدفاع يتصرف فيه بما يرضي ضميره وعلى حسب ما تهدية خبرته فى القانون، وإذ كان البين من محضر جلسة المحاكمة أن محامياً موكلاً ترافع فى موضوع الدعوى عن الطاعن وأبدى أوجه الدفاع ما هو ثابت بهذا المحضر فإن ذلك يكفي لتحقيق غرض الشارع ومن ثم فإن الحكم المعروض يكون قد سلم من الإخلال بحق الدفاع فى هذا الصدد.
لما كان ذلك، وكان الحكم قد أورد مضمون تقرير مستشفى الطب النفسي بالعباسية الذي جاء به أن المتهم هادئ ومتعاون وأنه جيد التركيز وأنه لا يعاني حالياً أو فى وقت سابق أي اضطراب نفسي وأنه مسئول عن الاتهام المنسوب إليه، فإن التفكير والادراك والاختيار والعاطفة والإرادة سليمة غير مضطربة بما مفاده أن الحكم أخذ بهذا التقرير فى شأن حالة المحكوم عليه العقلية التى أثارها دفاعه. وخلص الحكم استناد إلى ذلك التقرير إلى مسئولية الطاعن عما أسند إليه.
لما كان ذلك، وكان الأصل أن تقدير حالة المتهم العقلية من الأمور الموضوعية التى تستقل بها محكمة الموضوع بالفصل فيها مادامت تُقيم قضاءها على أسباب سائغة وهو ما لم يخطئ الحكم فى تقديره، ومن ثم يكون بريئاً من القصور.
لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد أورد مضمون تقرير الصفة التشريحية لجثة المجني عليه فى قوله: (وأورد تقرير مصلحة الطب الشرعي بأن إصابة المجني عليه طعنية غائرة بيسار العنق ومثلها تحدث من الإصابة بأداة صلبة حادة مدببة الطرف أياً كان نوعها وهى جائرة الحدوث من قبل الأداة المقال عنها (سكين رفيع ) ووفاة المذكور إصابية تعذى إلى حالته الإصابية الطعنية الحيوية الغائرة بيسار العنق وما صاحبها من حدوث قطع بالأوعية الدموية ليسار العنق وقطع بالغضروف الدروقي وما نشأ عن ذلك من حدوث نزيف دموي شديد واوريما شديدة بالحنجرة واختناق بالرئتين والقصبة الهوائية وما أدري ذلك إلى فشل بالدورة الدموية والتنفس انتهى بالوفاة) وكان ما أورده الحكم المعروض بالنسبة لتقرير الصفة التشريحية على النحو المار ذكره يكفي لتبرير اقتناعه بالإدانة وتحقق مراد الشارع الذى استوجبته المادة ٣١٠ من قانون الإجراءات الجنائية من دعوى بيان الأدلة التى يستند إليها الحكم الصادر بالإدانة.
لما كان ذلك، وكان من المقرر أن علاقة السببية فى المواد الجنائية علاقة مادية تبدأ بالفعل الذى اقتراف الجاني وترتبط من الناحية المعنوية بما يجب عليه أن يتوقعه من النتائج المألوفة لفعله إذا ما أتاه عمداً وهذه العلاقة موضوعية ينفرد قاضي الموضوع بتقديرها ومتى فصل فيها إثباتاً أو نفياً فلا رقابة لمحكمة النقض عليه مادام قد أقام قضاءه فى ذلك على أسباب تؤدي إلى ما انتهى إليه وكان الحكم المطعون فيه قد نقل عن تقرير الصفة التشريحية على نحو ما سلف بيانه من بيان إصابة المجني عليه واستظهر رابطة السببية بين تلك الإصابة ووفاته وهو ما لم يخطئ الحكم المعروض فى تقديره.
لما كان ذلك، وكان من المقرر أنه ليس بلازم أن تتطابق أقوال الشاهد أو اعترافات المتهم ومضمون الدليل الفني على الحقيقة التى وصلت إليها المحكمة بجميع تفاصيلها على وجه دقيق بل يكفي أن يكون جماع الدليل القولي غير متناقض مع جوهر الدليل الفني تناقضاً يستعصى على الملائمة والتوفيق، ولما كان قول الشهود واعتراف المتهم كما أوردهم الحكم لا يتعارض بل يتلاءم مع ما نقله عن التقرير الطبي الشرعي، وكان الحكم قد خلا مما يظاهر دعوى الخلاف بين الدليلين القولي والفني، ومن ثم فإن الحكم المعروض قد سلِم من القصور فى هذا الشأن. لما كان ما تقدم وكان يبين من الاطلاع على أسباب الحكم المعروض أنه قد بيَّن واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التى دان بها المحكوم عليه بالإعدام وأورد على ثبوتها فى حقه أدلة سائغة فى العقل والمنطق ولها معينها الصحيح من أوراق الدعوى وتؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها كما وأن إجراءات المحاكمة قد تمت وفقاً لصحيح القانون، وصدر الحكم بإعدام المحكوم عليه بإجماع آراء أعضاء المحكمة وبعد استطلاع رأى مفتي الجمهورية قبل إصداره عملاً بالمادة ٣٨١ / ٢ من قانون الإجراءات الجنائية، وجاء الحكم بريئاً من مخالفة القانون أو الخطأ فى تطبيقه أو تأويله وصدر من محكمة مشكلة وفقاً للقانون ولها ولاية الفصل فى الدعوى ولم يصدر بعده قانون يسرى على واقعة الدعوى يصح أن يستفيد منه المحكوم عليه على نحو ما نصَّت عليه المادة الخامسة من قانون العقوبات ــ باعتباره أصلح له ـــ ومن ثم يتعين لذلك إقرار الحكم الصادر بإعدام المحكوم عليه محمد السيد سيد أحمد الصاوي سليم.
فلهـذه الأسباب
حكمت المحكمة: أولاً: ــ قبول الطعن المقدم من المحكوم عليه شكلاً ورفضه موضوعاً. ثانياً: ــ قبول عرض النيابة العامة للقضية وإقرار الحكم الصادر بإعدام المحكوم عليه / محمد السيد سيد أحمد الصاوي.
أمين السر نائب رئيس المحكمة