محكمة النقض المصرية

الطعن رقم ١١٨٣٨ لسنة ٦٠ قضائية

الهيئة العامة للمواد الجنائية - جلسة ١٩٩٧/٠٤/١٣
مكتب فنى ( سنة ٤٤ - صفحة ٥ )
العنوان :

محكمة دستورية . قانون "تفسيره ".محكمة النقض "سلطتها ".

الموجز :

إختصاص المحكمة الدستورية العليا بتفسير النصوص التشريعية . لا يصادر حق جهات القضاء الأخرى في تفسير تلك النصوص وتطبيقها على الواقعة المعروضة . ما دام لم يصدر تفسير ملزم من السلطة التشريعية أو من المحكمة الدستورية طبقاً للأوضاع المقررة في قانونها . التفسيرات والتقريرات القانونية التى ترد في مدونات حكم المحكمة الدستورية العليا . لا تقيد محكمة النقض أو غيرها من أعمال إختصاصها في تفسير هذه النصوص . ما دام لم ينته الحكم إلى دستورية أو عدم دستورية النصوص المطعون عليها . محكمة النقض لا تعلوها محكمة . ولا تخضع أحكامها لرقابة جهة ما وظيفتها : توحيد تفسير القوانين وسلامة تطبيقها واستقرار المبادىء القانونية

القاعدة :

ان اختصاص المحكمة الدستورية العليا بتفسير النصوص التشريعية - وعلى ما افصحت عنه المذكرة الايضاحية لقانونها وجرى عليه قضاؤها - لا يصادر حق جهات القضاء الاخرى في تفسير القوانين وانزال تفسيرها على الواقعة المعروضة عليها ما دام لا يصدر بشأن النص المطروح امامها تفسير ملزم من السلطة التشريعية أو من المحكمة الدستورية صدر طبقا للأوضاع المقررة في قانونها بشأن طلبات التفسير،ولا يغير من ذلك أن تكون - التفسيرات والتقريرات القانونية قد وردت في مدونات حكم المحكمة الدستورية العليا مادام ان الحكم لم ينته إلى دستورية أوعدم دستورية النصوص المطعون عليها،ومن ثم لا يقيد لهذه المحكمة او غيرها ما ورد في مدونات حكم المحكمة الدستورية المشار اليه من تقريرات قانونية بشان تفسير الفقرة الثانية من المادة الخامسة من قانون العقوبات وانطباقها على الأفعال المؤثمة بمقتضى نصوص القانونين رقمى ٤٩لسنة١٩٧٧و١٣٦لسنة١٩٨١،ويكون الاختصاص للهيئة العامة للمواد الجنائية بمحكمة النقض في تفسير هذه النصوص وتطبيقها على الوجه الصحيح،وذلك بعد ان احالت اليها أحدى دوائر المحكمة الطعن الماثل - طبقا لنص الفقرة الثانية من المادة ٤من قانون السلطة القضائية الصادر بقرار رئيس الجمهورية رقم٤٦لسنة١٩٧٢ - كى تؤدى محكمة النقض بهذا وظيفتها في توحيد تفسير القوانين وسلامة تطبيقها، واستقرار المبادئ القانونية بما يكفل تقاربا في الحلول القضائية التى تخلص اليها محاكم الموضوع، ويحقق اجتماعها على قواعد واحدة وتلك هى وظيفة المحكمة التى اقتضت الا توجد في الدولة الا محكمة نقض واحدة، على قمة النظام القضائى،فلا تعلوها محكمة، ولا تخضع احكامها لرقابة جهة ما

الحكم

جلسة ١٣ من إبريل سنة ١٩٩٧

برئاسة السيد المستشار/ أحمد مدحت المراغي رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين/ عوض محمد إبراهيم جادو ونجاح سليمان نصار ومحمد نبيل رياض ومحمد حسين لبيب ومحمد أحمد حسن وناجى إسحق نقديموس ومحمد يحيى رشدان ود/ عادل قورة ومقبل شاكر محمد كامل شاكر نواب رئيس المحكمة وعاصم عبد الجبار.

(هيئة عامة)
الطعن رقم ١١٨٣٨ لسنة ٦٠ قضائية

(١) إيجار أماكن. مقدم إيجار. محكمة دستورية. حكم "حجيته". قانون "بطلانه".
الحجية المطلقة للأحكام الصادرة من المحكمة الدستورية العليا قبل الكافة والملزمة لجميع سلطات الدولة. مقصورة على تلك الصادرة بعدم دستورية النص التشريعي أو بدستوريته. أساس ذلك؟
الأصل في النصوص التشريعية. هو حملها على قرينة الدستورية. إبطالها لا يكون إلا بقضاء من المحكمة الدستورية العليا. مؤدى ذلك؟
(٢) محكمة دستورية. قانون "تفسيره". محكمة النقض "سلطتها".
اختصاص المحكمة الدستورية العليا بتفسير النصوص التشريعية. لا يصادر حق جهات القضاء الأخرى في تفسير تلك النصوص وتطبيقها على الواقعة المعروضة. ما دام لم يصدر تفسير ملزم من السلطة التشريعية أو من المحكمة الدستورية طبقاً للأوضاع المقررة في قانونها.
التفسيرات والتقريرات القانونية التي ترد في مدونات حكم المحكمة الدستورية العليا. لا تقيد محكمة النقض أو غيرها من أعمال اختصاصها في تفسير هذه النصوص. ما دام لم ينته الحكم إلى دستورية أو عدم دستورية النصوص المطعون عليها.
محكمة النقض. لا تعلوها محكمة. ولا تخضع أحكامها لرقابة جهة ما وظيفتها: توحيد تفسير القوانين وسلامة تطبيقها واستقرار المبادئ القانونية.
(٣) قانون "قانون أصلح" "تطبيقه" "سريانه من حيث الزمان".
قاعدة شرعية الجريمة والعقاب. مقتضاها؟.
أعمال الأثر الرجعي للقانون الأصلح للمتهم. رهن بأن يكون القانون الجديد قد ألغى القانون السابق صراحة أو ضمناً.
(٤) قانون "إلغاؤه".
إلغاء النص التشريعي. غير جائز. إلا بتشريع لاحق له. أعلى منه. أو مساو له. حالات إلغاء النص التشريعي؟.
(٥) إيجار أماكن. مقدم إيجار. قانون "تفسيره" "تطبيقه".
الأماكن الخالية وقت نفاذ القانون ٤ لسنة ١٩٩٦ أو التي تخلو بعد نفاذه. خضوعها لأحكام القانون المدني. أساس ومؤدى ذلك؟.
الجرائم التي وقعت في ظل العمل بأحكام القانونين ٤٩ لسنة ١٩٧٧، ١٣٦ لسنة ١٩٨١. استمرار خضوعها لأحكامها رغم صدور القانون ٤ لسنة ١٩٩٦. علة ذلك؟.
(٦) إيجار أماكن. مقدم إيجار. حكم "بيانات حكم الإدانة" "تسبيبه. تسبيب معيب". نقضه أسباب الطعن. ما يقبل منها".
وجوب إيراد الأدلة التي يستند إليها الحكم وبيان مؤداها.
تعويل الحكم في القضاء بالإدانة على عقد الإيجار الصادر من الطاعن للمجني عليه. دون بيان مضمونه. قصور.
١ - إن الحجية المطلقة قبل الكافة للأحكام الصادرة في الدعاوى الدستورية والتي تلتزم بها جميع سلطات الدولة هي - فحسب - للأحكام التي انتهت إلى عدم دستورية النص التشريعي المطعون فيه أو إلى دستوريته ورفض الدعوى على هذا الأساس، ذلك أن علة عينية الدعوى الدستورية، والحجية المطلقة للحكم الصادر في موضوعها، والتزام الجميع به، لا تتحقق إلا في هذا النطاق باعتبار أن قوامه مقابلة النصوص التشريعية المدعي مخالفتها للدستور بالقيود التي فرضها لضمان النزول إليها، والكشف عن مدى دستورية النصوص التشريعية، سواء بتقرير سلامتها من جميع العيوب الشكلية والموضوعية الدستورية فلا يكون لأحد من بعد أن يدعي خلاف ما قررته، أو ببطلانها فلا يجوز من بعد تطبيقها. وإذ اقتصر حكم المحكمة الدستورية في الطعن رقم ٤٨ لسنة ١٧ قضائية "دستورية" المشار إليه على القضاء بعدم قبول الدعوى، دون أن يفصل في موضوعها بدستورية أو بعدم دستورية المادتين ٢٦ و٧٧ من القانون رقم ٤٩ لسنة ١٩٧٧ والمادتين ٦ و٢٣ من القانون رقم ١٣٦ لسنة ١٩٨١، وكان الأصل في النصوص التشريعية هو حملها على قرينة الدستورية، فإبطالها لا يكون إلا بقضاء من المحكمة الدستورية العليا إذا ما قام الدليل لديها، ولازم ذلك أن النصوص التشريعية التي لا تبطلها المحكمة الدستورية العليا لا يجوز بحال وقف سريانها.
٢ - إن اختصاص المحكمة الدستورية العليا بتفسير النصوص التشريعية - وعلى ما أفصحت عنه المذكرة الإيضاحية لقانونها وجرى عليه قضاؤها - لا يصادر حق جهات القضاء الأخرى في تفسير القوانين وإنزال تفسيرها على الواقعة المعروضة عليها ما دام لم يصدر بشأن النص المطروح أمامها تفسير ملزم من السلطة التشريعية أو من المحكمة الدستورية صدر طبقاً للأوضاع المقررة في قانونها بشأن طلبات التفسير. ولا يغير من ذلك أن تكون - التفسيرات والتقريرات القانونية قد وردت في مدونات حكم المحكمة الدستورية العليا ما دام أن الحكم لم ينته إلى دستورية أو عدم دستورية النصوص المطعون عليها. ومن ثم لا يقيد هذه المحكمة أو غيرها ما ورد في مدونات حكم المحكمة الدستورية المشار إليه من تقريرات قانونية بشأن تفسير الفقرة الثانية من المادة الخامسة من قانون العقوبات وانطباقها على الأفعال المؤثمة بمقتضى نصوص القانونين رقمي ٤٩ لسنة ١٩٧٧ و١٣٦ لسنة ١٩٨١، ويكون الاختصاص للهيئة العامة للمواد الجنائية بمحكمة النقض في تفسير هذه النصوص وتطبيقها على الوجه الصحيح، وذلك بعد أن أحالت إليها إحدى دوائر المحكمة الطعن الماثل - طبقاً لنص الفقرة الثانية من المادة ٤ من قانون السلطة القضائية الصادر بقرار رئيس الجمهورية رقم ٤٦ لسنة ١٩٧٢ - كي تؤدي محكمة النقض بهذا وظيفتها في توحيد تفسير القوانين وسلامة تطبيقها، واستقرار المبادئ القانونية بما يكفل تقارباً في الحلول القضائية التي تخلص إليها محاكم الموضوع، ويحقق اجتماعها على قواعد واحدة. وتلك هي وظيفة المحكمة التي اقتضت ألا توجد في الدولة إلا محكمة نقض واحدة، على قمة النظام القضائي، فلا تعلوها محكمة، ولا تخضع أحكامها لرقابة جهة ما.
٣ - لما كان مقتضى قاعدة شرعية الجريمة والعقاب أن القانون الجنائي يحكم ما يقع في ظله من جرائم ما لم يصدر تشريع لاحق أصلح للمتهم، وكان مناط أعمال الأثر الرجعى للقانون الجنائي - بحسبانه أصلح للمتهم - أن يكون القانون الجديد قد ألغى القانون السابق صراحة أو ضمناً، باعتبار أن هذه القاعدة تتصل بفض التنازع بين القوانين من حيث الزمان، فلا مجال لإعمالها إلا إذا ألغى تشريعاً آخر.
٤ - من المقرر أنه لا يجوز إلغاء نص تشريعي إلا بتشريع لاحق له أعلى منه أو مساو له في مدارج التشريع ينص صراحة على هذا الإلغاء أو يشتمل على نص يتعارض مع نص التشريع القديم أو ينظم من جديد الموضوع الذي سبق أن قرر قواعده ذلك التشريع.
٥ - لما كان نص المادة الأولى من القانون رقم ٤ لسنة ١٩٩٦، المشار إليه، على أن "لا تسري أحكام القانونين رقمي ٤٩ لسنة ١٩٧٧ في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر و١٣٦ لسنة ١٩٨١ في شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر والقوانين الخاصة بإيجار الأماكن الصادرة قبلها على الأماكن التي لم يسبق تأجيرها ولا على الأماكن التي انتهت عقود إيجارها قبل العمل بهذا القانون أو تنتهي بعده لأي سبب من الأسباب دون أن يكون لأحد حق البقاء فيها طبقاً للقانون" ونص المادة الثانية منه على أن "تطبق أحكام القانون المدني في شأن تأجير الأماكن المنصوص عليها في المادة الأولى من هذا القانون خالية أو مفروشة أو في شأن استغلالها أو التصرف فيها" تدلان - في صريح لفظهما وواضح دلالتهما - على أن المشرع حدد نطاق تطبيق القانون رقم ٤ لسنة ١٩٩٦، وقصر استبعاد سريان القانونين رقمي ٤٩ لسنة ١٩٧٧ و١٣٦ لسنة ١٩٨١ على الأماكن التي لم يسبق تأجيرها والأماكن التي انتهت عقود إيجارها قبل العمل بهذا القانون أو تنتهي بعده، بما مفاده أنه استثنى الأماكن الخالية من المستأجر وقت نفاذه أو التي تخلو بعد نفاذه من تطبيق أحكام قانوني إيجار الأماكن المشار إليهما وأخضع العلاقات الإيجارية الجديدة وعقود الاستغلال التي تتم بشأنها بعد نفاذه لأحكام القانون المدني، ولازم ذلك أن أحكام القانونين رقمي ٤٩ لسنة ١٩٧٧، ١٣٦ لسنة ١٩٨١ تظل سارية بجميع نصوصها، المدنية والجنائية، على العلاقات الإيجارية القائمة والتي أبرمت في ظل هذين القانونين قبل العمل بأحكام القانون رقم ٤ لسنة ١٩٩٦، ومن بينها النصوص التي أثمت تقاضي مقدم إيجار يزيد عن المقرر قانوناً، ذلك أن القانون الأخير، إذ يؤكد استمرار سريان أحكام القانونين المذكورين على تلك العلاقات الإيجارية، لم يتضمن نصاً بإلغاء أي من نصوص التجريم فيهما أو يعدل في أحكامها. ولا يقدح في ذلك ما نصت عليه المادة الثالثة من القانون رقم ٤ لسنة ١٩٩٦ بإلغاء كل نص من أي قانون آخر يتعارض مع أحكامه إذ أن أحكامه لا تنطبق إلا على عقود إيجار الأماكن الخالية أو التي تخلو بعد نفاذه، وهى التي أخضعها دون غيرها لأحكام القانون المدني وحده، فألغى تطبيق أي قانون آخر في شأنها، ومن ثم فإن الجرائم التي وقعت طبقاً لنصوص القانونين رقمي ٤٩ لسنة ١٩٧٧ و١٣٦ لسنة ١٩٨١ تظل قائمة، خاضعة لأحكامهما، حتى بعد صدور القانون رقم ٤ لسنة ١٩٩٦ والعمل بأحكامه، ولا يمتد إليها أحكام هذا القانون بأثر رجعى لتخلف مناط أعمال هذا الأثر على ما سلف بيانه.
٦ - من المقرر أنه يجب إيراد الأدلة التي تستند إليها المحكمة، وبيان مؤداها في الحكم بياناً كافياً، فلا تكفي مجرد الإشارة إليها بل ينبغي سرد مضمون الدليل وذكر مؤداه بطريقة وافية يبين منها مدى تأييده للواقعة كما اقتنعت بها المحكمة ومبلغ اتساقه مع باقي الأدلة. لما كان ذلك وكان الحكم المطعون فيه قد عول - ضمن ما عول عليه - في إدانة الطاعن على عقد الإيجار الصادر منه للمجني عليه دون أن يبين مضمونه وما به من بيانات والتزامات، فإن استناد الحكم إلى العقد على هذا النحو لا يكفى في بيان أسباب الحكم الصادر بالعقوبة لخلوه مما يكشف عن وجه استشهاد المحكمة بهذا الدليل الذي استنبطت منه معتقدها في الدعوى، مما يصم الحكم المطعون فيه بالقصور.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه تقاضى من المستأجر المبلغ المبين بالمحضر خارج نطاق عقد الإيجار كمقدم إيجار. وطلبت عقابه بالمادتين ٢٦، ٧٧ من القانون رقم ٤٩ لسنة ١٩٧٧ المعدل بالمادة ٢٣ من القانون رقم ١٣٦ لسنة ١٩٨١ والمادة ٣٣٦ من قانون العقوبات. ومحكمة أمن الدولة الجزئية بالجيزة قضت حضورياً عملاً بالمادة ٣٠٤/ ١ من قانون الإجراءات الجنائية ببراءة المتهم مما نسب إليه. استأنفت النيابة العامة ومحكمة الجيزة الابتدائية - بهيئة استئنافية - قضت حضورياً بقبول الاستئناف شكلاً وفى الموضوع بإجماع الآراء بإلغاء الحكم المستأنف وتغريم المتهم ٩٣٦٠ جنيهاً وأداء مثله لصندوق الإسكان بمحافظة الجيزة وألزمته برد مبلغ ٤٦٨٠ جنيهاً للمجني عليه.
فطعن الأستاذ/.... المحامى نيابة عن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض..... إلخ.
وبجلستي.....، ..... نظرت المحكمة الطعن (منعقدة في هيئة غرفة المشورة) وقررت التأجيل لجلسة...... وفيها أحالته للهيئة العامة للمواد الجنائية للفصل فيه.


الهيئة

من حيث إنه يبين من الأوراق أن الحكم المطعون فيه قضى بمعاقبة الطاعن بغرامة قدرها ٩٣٦٠ جنيهاً وأداء مثلها لصندوق الإسكان بمحافظة الجيزة وإلزامه برد مبلغ ٤٦٨٠ جنيهاً للمجني عليه، وذلك عن جريمة تقاضي مقدم إيجار يزيد عن المقرر قانوناً. فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض. وإذ رأت الدائرة الجنائية التي نظرت الطعن العدول عن المبدأ القانوني الذي قررته أحكام سابقة وهو اعتبار القانون رقم ٤ لسنة ١٩٩٦ بشأن سريان أحكام القانون المدني على الأماكن التي لم يسبق تأجيرها والأماكن التي انتهت أو تنتهي عقود إيجارها دون أن يكون لأحد حق البقاء فيها أصلح للمتهم بارتكاب جريمة تقاضي مقدم إيجار يزيد عن المقرر قانوناً المنصوص عليها في المادتين ٢٦ و٧٧ من القانون رقم ٤٩ لسنة ١٩٧٧ في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر والمادة ٦ من القانون رقم ١٣٦ لسنة ١٩٨١ في شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر.
ومن حيث إن مبنى الأحكام السابقة المراد العدول عن المبدأ القانوني الذي قررته هو أن القانون رقم ٤ لسنة ١٩٩٦ المشار إليه إذ أخرج عقود تأجير الأماكن واستغلالها والتصرف فيها من نطاق تطبيق أحكام قوانين إيجار الأماكن المشار إليها، وأخضعها لأحكام القانون المدني يكون قد أسقط صفة التجريم عن الأفعال التي جرمتها قوانين الإيجار السالف ذكرها - ومنها الجريمة محل الطعن - وأن القول بغير ذلك يؤدي إلى تعطيل تطبيق نص الفقرة الثانية من المادة الخامسة من قانون العقوبات الخاصة بتطبيق القانون الأصلح للمتهم، وتأباه مقتضيات العدالة إذ يظل مداناً من ارتكب الفعل في حين أن من يرتكبه في ظل القانون رقم ٤ لسنة ١٩٩٦ يكون بمنأى عن العقاب.
ومن حيث إنه بتاريخ ٢٢ من فبراير سنة ١٩٩٧ صدر حكم المحكمة الدستورية العليا في الطعن رقم ٤٨ لسنة ١٧ قضائية "دستورية" بعدم قبول الدعوى، المقامة للحكم بعدم دستورية المادتين ٢٦ و٧٧ من القانون رقم ٤٩ لسنة ١٩٧٧ المشار إليه والمادتين ٦ و٢٣ من القانون رقم ١٣٦ لسنة ١٩٨١ المشار إليه، تأسيساً على انتفاء المصلحة في الدعوى، لما كان ذلك، وكانت الحجية المطلقة قبل الكافة للأحكام الصادرة في الدعاوى الدستورية والتي تلتزم بها جميع سلطات الدولة هي - فحسب - للأحكام التي انتهت إلى عدم دستورية النص التشريعي المطعون فيه أو إلى دستوريته ورفض الدعوى على هذا الأساس، ذلك أن علة عينية الدعوى الدستورية، والحجية المطلقة للحكم الصادر في موضوعها، والتزام الجميع به، لا تتحقق إلا في هذا النطاق باعتبار أن قوامه مقابلة النصوص التشريعية المدعي مخالفتها للدستور بالقيود التي فرضها لضمان النزول إليها، والكشف عن مدى دستورية النصوص التشريعية، سواء بتقرير سلامتها من جميع العيوب الشكلية والموضوعية الدستورية فلا يكون لأحد من بعد أن يدعي خلاف ما قررته، أو ببطلانها فلا يجوز من بعد تطبيقها، وإذ اقتصر حكم المحكمة الدستورية في الطعن رقم ٤٨ لسنة ١٧ قضائية "دستورية" المشار إليه على القضاء بعدم قبول الدعوى، دون أن يفصل في موضوعها بدستورية أو بعدم دستورية المادتين ٢٦ و٧٧ من القانون رقم ٤٩ لسنة ١٩٧٧ والمادتين ٦ و٢٣ من القانون رقم ١٣٦ لسنة ١٩٨١، وكان الأصل في النصوص التشريعية هو حملها على قرينة الدستورية، فإبطالها لا يكون إلا بقضاء من المحكمة الدستورية العليا إذا ما قام الدليل لديها، ولازم ذلك أن النصوص التشريعية التي لا تبطلها المحكمة الدستورية العليا لا يجوز بحال وقف سريانها. لما كان ذلك، وكان اختصاص المحكمة الدستورية العليا بتفسير النصوص التشريعية - وعلى ما أفصحت عنه المذكرة الإيضاحية لقانونها وجرى عليه قضاؤها - لا يصادر حق جهات القضاء الأخرى في تفسير القوانين وإنزال تفسيرها على الواقعة المعروضة عليها ما دام لم يصدر بشأن النص المطروح أمامها تفسير ملزم من السلطة التشريعية أو من المحكمة الدستورية صدر طبقاً للأوضاع المقررة في قانونها بشأن طلبات التفسير. ولا يغير من ذلك أن تكون - التفسيرات والتقريرات القانونية قد وردت في مدونات حكم المحكمة الدستورية العليا ما دام أن الحكم لم ينته إلى دستورية أو عدم دستورية النصوص المطعون عليها. ومن ثم لا يقيد هذه المحكمة أو غيرها ما ورد في مدونات حكم المحكمة الدستورية المشار إليه من تقريرات قانونية بشأن تفسير الفقرة الثانية من الخامسة من قانون العقوبات وانطباقها على الأفعال المؤثمة بمقتضى نصوص القانونين رقمي ٤٩ لسنة ١٩٧٧ و١٣٦ لسنة ١٩٨١، ويكون الاختصاص للهيئة العامة للمواد الجنائية بمحكمة النقض في تفسير هذه النصوص وتطبيقها على الوجه الصحيح، وذلك بعد أن أحالت إليها إحدى دوائر المحكمة الطعن الماثل - طبقاً لنص الفقرة الثانية من المادة ٤ من قانون السلطة القضائية الصادر بقرار رئيس الجمهورية رقم ٤٦ لسنة ١٩٧٢ - كي تؤدي محكمة النقض بهذا وظيفتها في توحيد تفسير القوانين وسلامة تطبيقها، واستقرار المبادئ القانونية بما يكفل تقارباً في الحلول القضائية التي تخلص إليها محاكم الموضوع، ويحقق اجتماعها على قواعد واحدة. وتلك هي وظيفة المحكمة التي اقتضت ألا توجد في الدولة إلا محكمة نقض واحدة، على قمة النظام القضائي، فلا تعلوها محكمة، ولا تخضع أحكامها لرقابة جهة ما.
ومن حيث إنه لما كان مقتضى قاعدة شرعية الجريمة والعقاب أن القانون الجنائي يحكم ما يقع في ظلة من جرائم ما لم يصدر تشريع لاحق أصلح للمتهم، وكان مناط إعمال الأثر الرجعي للقانون الجنائي - بحسبانه أصلح للمتهم - أن يكون القانون الجديد قد ألغى القانون السابق صراحة أو ضمناً، باعتبار أن هذه القاعدة تتصل بفض التنازع بين القوانين من حيث الزمان، فلا مجال لإعمالها إلا إذا ألغى تشريع تشريعاً آخر. وكان من المقرر أنه لا يجوز إلغاء نصوص تشريعي إلا بتشريع لاحق له أعلى منه أو مساو له في مدارج التشريع ينص صراحة على هذا الإلغاء أو يشتمل على نص يتعارض مع نص التشريع القديم أو ينظم من جديد الموضوع الذي سبق أن قرر قواعده ذلك التشريع، وكان نص المادة الأولى من القانون رقم ٤ لسنة ١٩٩٦، المشار إليه، على أنه "لا تسري أحكام القانونين رقمي ٤٩ لسنة ١٩٧٧ في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر و١٣٦ لسنة ١٩٨١ في شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر والقوانين الخاصة بإيجار الأماكن الصادرة قبلها على الأماكن التي لم يسبق تأجيرها ولا على الأماكن التي انتهت عقود إيجارها قبل العمل بهذا القانون أو تنتهي بعده لأي سبب من الأسباب دون أن يكون لأحد حق البقاء فيها طبقاً للقانون" ونص المادة الثانية منه على أن "تطبق أحكام القانون المدني في شأن تأجير الأماكن المنصوص عليها في المادة الأولى من هذا القانون خالية أو مفروشة أو في شأن استغلالها أو التصرف فيها" تدلان - في صريح لفظهما وواضح دلالتهما - على أن المشرع حدد نطاق تطبيق القانون رقم ٤ لسنة ١٩٩٦، وقصر استبعاد سريان القانونين رقمي ٤٩ لسنة ١٩٧٧ و١٣٦ لسنة ١٩٨١ على الأماكن التي لم يسبق تأجيرها والأماكن التي انتهت عقود إيجارها قبل العمل بهذا القانون أو تنتهي بعده، بما مفاده أنه استثنى الأماكن الخالية من المستأجر وقت نفاذه أو التي تخلو بعد نفاذه من تطبيق أحكام قانوني إيجار الأماكن المشار إليهما وأخضع العلاقات الإيجارية الجديدة وعقود الاستغلال التي تتم بشأنها بعد نفاذه لأحكام القانون المدني، ولازم ذلك أن أحكام القانونين رقمي ٤٩ لسنة ١٩٧٧، ١٣٦ لسنة ١٩٨١ تظل سارية بجميع نصوصها، المدنية والجنائية، على العلاقات الإيجارية القائمة والتي أبرمت في ظل هذين القانونين قبل العمل بأحكام القانون رقم ٤ لسنة ١٩٩٦، ومن بينها النصوص التي أثمت تقاضي مقدم إيجار يزيد عن المقرر قانوناً، ذلك أن القانون الأخير، إذ يؤكد استمرار سريان أحكام القانونين المذكورين على تلك العلاقات الإيجارية، لم يتضمن نصاً بإلغاء أي من نصوص التجريم فيهما أو يعدل في أحكامها. ولا يقدح في ذلك ما نصت عليه المادة الثالثة من القانون رقم ٤ لسنة ١٩٩٦ بإلغاء كل نص من أي قانون آخر يتعارض مع أحكامه إذ أن أحكامه لا تنطبق إلا على عقود إيجار الأماكن الخالية أو التي تخلو بعد نفاذه، وهى التي أخضعها دون غيرها لأحكام القانون المدني وحده، فألغى تطبيق أي قانون آخر في شأنها، ومن ثم فإن الجرائم التي وقعت طبقاً لنصوص القانونين رقمي ٤٩ لسنة ١٩٧٧ و١٣٦ لسنة ١٩٨١ تظل قائمة، خاضعة لأحكامها، حتى بعد صدور القانون رقم ٤ لسنة ١٩٩٦ والعمل بأحكامه، ولا يمتد إليها أحكام هذا القانون بأثر رجعي لتخلف مناط إعمال هذا الأثر على ما سلف بيانه. لما كان ذلك، وإزاء صراحة نص القانون رقم ٤ لسنة ١٩٩٦ في وجوب سريان أحكام قانوني إيجار الأماكن رقمي ٤٩ لسنة ١٩٧٧ و١٣٦ لسنة ١٩٨١ على العلاقات الإيجارية السابقة على نفاذه، فإن سائر الاعتبارات الأخرى، وإن صلحت كي يستهدى بها المشرع عند النظر في ملاءمة إلغاء بعض نصوص التجريم في القانونين المشار إليهما، إلا أنها لا تصلح سنداً لتأويل النصوص مع صراحتها.
ومن حيث إنه لما تقدم، فإن الهيئة العامة تنتهي بالأغلبية المنصوص عليها في المادة الرابعة من قانون السلطة القضائية إلى العدول عن الأحكام التي صدرت على خلاف النظر المتقدم.
ومن حيث إن الطعن استوفى الشكل المقرر في القانون.
ومن حيث إن مما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجريمة تقاضي مقدم إيجار يزيد عن المقرر قانوناً قد شابه قصور في التسبيب ذلك أنه لم يورد مضمون الأدلة التي استند إليها في إدانته مما يعيبه ويستوجب نقضه.
ومن حيث إنه من المقرر أنه يجب إيراد الأدلة التي تستند إليها المحكمة، وبيان مؤداها في الحكم بياناً كافياً، فلا تكفى مجرد الإشارة إليها بل ينبغي سرد مضمون الدليل وذكر مؤداه بطريقة وافية يبين منها مدى تأييده للواقعة كما اقتنعت بها المحكمة ومبلغ اتساقه مع باقي الأدلة. لما كان ذلك وكان الحكم المطعون فيه قد عول - ضمن ما عول عليه - في إدانة الطاعن على عقد الإيجار الصادر منه للمجني عليه دون أن يبين مضمونه وما به من بيانات والتزامات، فإن استناد الحكم إلى العقد على هذا النحو لا يكفي في بيان أسباب الحكم الصادر بالعقوبة لخلوه مما يكشف عن وجه استشهاد المحكمة بهذا الدليل الذي استنبطت منه معتقدها في الدعوى، مما يصم الحكم المطعون فيه بالقصور. لما كان ما تقدم، فإن يتعين نقض الحكم المطعون فيه والإعادة بغير حاجة إلى بحث أوجه الطعن الأخرى.